القائمة
10:25 11 نيسان 2026
"خاص كواليس"

الطريق إلى إسلام آباد: خفايا 3 مراحل من التفاوض

وراء الكواليس

مع صمود الهدنة الاميركية- الايرانية وانتقال وفدي البلدين الى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لبدء التفاوض على تسوية دائمة، تستعرض "كواليس"، اعتمادا على مصادر مطلعة ومتقاطعة، المسارات التي أدت الى وقف الحرب وإفسام المجال للتفاوض على بعد دقائق من تنفيذ الرئيس الاميركي ترامب لتهديده ب "محو الحضارة" الايرانية. 

كشفت مصادر دبلوماسية إقليمية لـ "كواليس" أن مسار الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، لوقف الحرب الجارية بمشاركة إسرائيل، لم يكن خطاً تفاوضياً تصاعدياً، بل سلسلة محاولات متقطعة تعرّضت لتعطيل متكرر، بفعل تداخل العوامل العسكرية مع الحسابات السياسية، وخصوصًا التدخل الإسرائيلي المباشر في أكثر من محطة حساسة.

المرحلة الأولى: وساطة عمانية

وتشير المعلومات إلى أن المرحلة الأولى من الوساطة انطلقت عبر قناة سلطنة عمان، التي حاولت إعادة إحياء مسار تفاوضي تقليدي قائم على تهدئة متزامنة والدفع نحو استئناف المباحثات. المقترح العُماني لم يكن تقنيًا بحتًا، بل تضمّن تصورًا سياسيًا متكاملًا يقوم على وقف العمليات من الجانب الإيراني مقابل فتح مسارات إنسانية وإعادة إطلاق التفاوض وفق صيغ سابقة. إلا أن طهران تعاملت مع الطرح باعتباره غير كافٍ، ورفضته من زاوية أنه لا يقدّم ضمانات فعلية، ولا يعكس ميزان القوة الذي تعتبر أنها فرضته ميدانيًا.

الرد الإيراني، وفق ما توافر من معطيات لـ "كواليس"، وضع سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا منذ البداية، قائمًا على شرط الانطلاق من "تنازلات أميركية مسبقة"، تشمل وقف الحرب بضمانات دولية، وتعويضات مباشرة عن الأضرار، إضافة إلى تفاهمات واضحة حول أمن الملاحة في مضيق هرمز. هذا الطرح قوبل برفض أميركي سريع، ما أدى عمليًا إلى إقفال القناة العُمانية في مرحلتها الأولى.

المرحلة الثانية: انتهت باغتيال خرازي

مع تعثر هذا المسار، انتقل الملف إلى مرحلة ثانية اتسمت بدخول قوى إقليمية بشكل أكثر فاعلية، أبرزها مصر وتركيا والسعودية، إلى جانب باكستان، في محاولة لإعادة تشكيل أرضية تفاوضية أقل حدّة. في هذه المرحلة، جرى العمل على فتح قنوات غير مباشرة مع مراكز القرار داخل إيران، حيث تمكنت القاهرة تحديدًا من إيجاد خط تواصل حساس مع أحد أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني، ما أتاح نقل رسائل إلى دوائر مرتبطة بالحرس الثوري.

هذه القناة لم تكن تفاوضًا مباشرًا بقدر ما كانت "اختبار نوايا"، وهدفت إلى خفض سقف الشروط المتبادلة تدريجيًا. وبالفعل، تكشف المصادر لـ "كواليس" أن هذا المسار كاد أن يفضي إلى إعلان تفاهم أولي، خصوصًا مع ظهور مؤشرات مرونة محدودة من بعض الأطراف. إلا أن التدخل الإسرائيلي، وفق هذه المعطيات، لم يقتصر على الضغط السياسي، بل تجاوز ذلك إلى استهداف مباشر لمسار التفاوض، عبر عمليات أمنية نوعية أدت إلى تعطيل الفريق التقني الإيراني المكلّف بالملف.

في هذا السياق، برز دور محمد باقر قاليباف، الذي أُوكل إليه من قبل الحرس الثوري إدارة ملف التفاوض، حيث سعى إلى بناء فريق تقني داعم بقيادة كمال خرازي. إلا أن استهداف خرازي وما تبعه من تداعيات أمنية وشخصية قاسية، شكّل ضربة مباشرة للبنية التفاوضية الإيرانية، وأدى إلى تجميد المسار في لحظة كانت توصف بأنها الأقرب إلى الاختراق.

المرحلة الثالثة: تفاوض منظم

المرحلة الثالثة جاءت في ظل تصاعد عسكري وضغط دولي غير مسبوق، ما دفع إلى توسيع دائرة الوساطة ومنح باكستان دورًا قياديًا أكثر وضوحًا. اختيار إسلام آباد لم يكن عشوائيًا، بل استند إلى قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف، واحتفاظها بعلاقات متوازنة مع واشنطن وطهران والرياض.

في هذه المرحلة، انتقل التفاوض إلى صيغة أكثر تنظيماً، حيث تبادل الطرفان لوائح شروط مكتوبة: إيران قدّمت عشرة بنود أساسية، مقابل خمسة عشر بندًا أميركيًا، ما عكس فجوة تفاوضية واسعة، لكنها محددة المعالم. بالتوازي، رفع دونالد ترامب سقف التهديد، ملوّحًا بخيارات عسكرية قصوى، ما دفع قوى إقليمية، خصوصًا إسلام أباد والقاهرة وأنقرة، إلى ممارسة ضغط مزدوج، عبر دفع طهران نحو المرونة، ومحاولة انتزاع إشارات إيجابية من واشنطن.

اللافت في هذه المرحلة، وفق المعلومات التي حصلت عليها "كواليس"، أن المقترح الأميركي المعدل لم يُحسم داخل المؤسسات الإيرانية التقليدية، بل رُفع إلى مستوى أعلى، عبر إحالته إلى مكتب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في خطوة تعكس إدراكًا داخليًا بأن التفاوض دخل مرحلة مختلفة، تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى قرارات استراتيجية كبرى.

بالمحصلة، تُظهر هذه المعلومات أن مسار الوساطة لم يكن مجرد تفاوض تقني، بل ساحة موازية للصراع، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع محاولات الاحتواء السياسي، في وقت تسعى فيه قوى إقليمية إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، دون أن تمتلك حتى الآن القدرة على فرض تسوية نهائية.