في مشهدٍ يعكس حجم الانكسار والوجع الذي يعصر قلوب أبناء الجنوب اللبناني، لم تجد "الحجة منتهى حمزة" وسيلةً لإيصال وجعها سوى عبر عدسة هاتفها، موجهةً صرخةً مدوية من قلب بلدة "كفرحتى" الجنوبية، بعد أن فاجأتها وأهالي بلدتها إنذارات الإخلاء الفوري. صرخة منتهى ليست مجرد "فيديو ترند" او تنفيذ "أجندة خارجية"، بل هي وثيقة إنسانية حية تختصر معاناة آلاف العائلات التي وجدت نفسها دون سابق انذار على الطريق، بلا مأوى.
بملامح أرهقها القلق، أطلت "الحجة" لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم. لم تتحدث بلغة السياسة المعقدة، بل بلغة الأم التي يغيب ابنها في الخدمة العسكرية، وزوجها المريض يقبع في المستشفى. "لوين بدنا نطلع؟" سؤالٌ طرحته بوجه الدولة، وتحديداً بوجه الرئيس نبيه بري، مطالبةً إياه بـ "حل للعباد" الذين يفتشون عن أمان مفقود بين الطرقات. اللافت في رسالتها كان الجرأة في ملامسة المحظور السياسي، حين استعارت جملة "قصفوا الجسور" لتردها بطلب: "خلّي جسور التواصل بينا وبين العدو"، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إنهاء دوامة الدمار والتهجير التي لم تعد تحتملها أجساد المسنين ولا أحلام الشباب.
تأتي صرخة "الحجة منتهى" من بلدة "كفرحتى" التي كانت هي أصلاً ملاذاً لنازحين من قرى مهددة أخرى. اليوم، تتحول البلدة نفسها إلى ساحة لإخلاء قسري، ما يكرر مأساة "النزوح المتعدد"، حيث يضطر الجنوبي للنزوح مرة واثنتين وثلاثاً، في رحلة تيهٍ لا تنتهي، بحثاً عن سقفٍ يحميه.
هذا الصوت يأتي في وقتٍ حساس، فمع تزايد الضربات الجوية التي تستهدف شققاً سكنية يتواجد فيها مسؤولين في "حزب الله" أو "الحرس الثوري الإيراني"، تصاعدت وتيرة القلق الشعبي. هذه الأحداث لم تكتفِ بتهجير الناس، بل ولّدت حملات ضغط ومواقف حادة ضد وجود النازحين في بعض المناطق، خوفاً من تحول بيوتهم إلى أهداف مشروعة للغارات، مما زاد من عبء "الذل" الذي تحدثت عنه الحجة منتهى.لم تخرج الحجة منتهى من خلف مكاتب حزبية، ولا تملك أجندة خارجية. صرختها بأن "حزب الله يجب أن يتجنب التجمعات في الضيع" هي انعكاس لحالة من التململ الشعبي الصامت الذي بدأ يرتفع صوته ضد سياسة تحويل القرى الآهلة إلى جبهات مفتوحة.
إن فيديو "الحجة منتهى" هو بلاغ للرأي العام: الجنوب ليس مجرد خريطة عسكرية، بل هو بشرٌ تعبوا من "المقاومة" التي تنتهي بهم مشردين على الطرقات، تلاحقهم الكاميرات لتصوير عجزهم، بينما يطالبون فقط بحقهم في البقاء فوق أرضهم.
السؤال الآن: هل ستسمع القيادات صدى هذه الصرخات، أم سيتهمون "الحاجة" بالخيانة والعمالة كما جرت العادة؟