لم يعد المشهد اللبناني يُقرأ من زاوية المواجهة في الجنوب فقط، بل بات يعكس مساراً أوسع لإعادة تشكيل الداخل تحت ضغط الحرب. ما يجري يتجاوز الضربات العسكرية إلى عملية تفكيك تدريجية للجغرافيا والبنية الداخلية، حيث يتم عزل المناطق، وضرب محاور الربط، وإضعاف قدرة الدولة على الإمساك بمفاصلها الأساسية.
في الجنوب، يتكرّس نمط واضح يقوم على استهداف البنية التحتية الحيوية، ولا سيما الجسور والطرق التي تربط البقاع بالجنوب، بما يؤدي عملياً إلى فصل المناطق عن بعضها البعض. هذا العزل لا يهدف فقط إلى تعطيل الحركة العسكرية، بل إلى إنتاج واقع جغرافي جديد يفرض حصاراً داخلياً على القرى والبلدات، ويضع السكان أمام ضغط متواصل يدفعهم نحو النزوح.
الأرقام تعكس حجم التحول في طبيعة الحرب. فعدد القتلى تجاوز 1368 شخصاً، فيما بلغ عدد الجرحى أكثر من 4138، إلى جانب نزوح يتخطى المليون شخص داخل البلاد. لكن هذه الأرقام لا تختصر المشهد، إذ إن الحرب لم تعد تستهدف مواقع محددة، بل باتت تطال الملاجئ والمستشفيات والمرافئ، ما يعني أن الهدف لم يعد فقط إضعاف خصم عسكري، بل إنهاك المجتمع ككل.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية في موقع العجز الكامل، غير قادرة على إنتاج أي مسار سياسي موازٍ أو حتى إدارة تداعيات الحرب داخلياً، فيما يقتصر الحضور الدولي على إجراءات إجلاء الرعايا، في مشهد يعكس ترك لبنان لمصيره.
المبادرة المصرية: محاولة فصل المسارات
وسط هذا المشهد، برزت محاولة مصرية لإعادة إدخال مسار سياسي موازٍ للحرب، يقوم على الفصل بين المواجهة الإقليمية الواسعة والجبهة اللبنانية. هذه المبادرة ليست جديدة بالكامل، بل تعود جذورها إلى تحرك مصري سابق، أُعيد إحياؤه في ظل التصعيد الحالي.
المعطيات الخاصة ب "كواليس"، تشير إلى زيارة وفد أمني مصري رفيع إلى بيروت، وطرحه مجموعة أفكار تتدرج من وقف شامل لإطلاق النار، إلى ترتيبات طويلة الأمد تشمل ضبط الحدود، وتسليم الأسرى، ومعالجة ملف السلاح، وصولاً إلى تثبيت استقرار دائم على جانبي الحدود.
اللافت أن الطرح المصري لم يُقابل برفض مباشر، بل جرى التعامل معه بحذر، مع طلب تدوينه في مسودة رسمية لدراسته. في هذا السياق، برز دور رئيس مجلس النواب في إدارة هذا المسار، مع إبداء استعداد مبدئي للنقاش، لكن مع ربط أي تقدم بموقف كل من واشنطن وتل أبيب.
هذه المبادرة تعكس إدراكاً إقليمياً بأن استمرار الحرب في لبنان دون أفق سياسي قد يؤدي إلى انفلات أوسع، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بتعقيدات ميدانية وسياسية تجعل فرص نجاحها محدودة في المدى القريب.
الإقليم: تصعيد متدرج وشبكة حرب مفتوحة
إقليمياً، تتداخل الجبهة اللبنانية مع مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يحوّل لبنان إلى جزء من شبكة صراع متعددة الجبهات.
تحاول إيران إعادة تفعيل نموذج “وحدة الساحات”، من خلال ربط الجبهات ميدانياً، وهو ما يظهر في مشاركة فصائل عراقية وعناصر متعددة الجنسيات في القتال داخل لبنان. في المقابل، تعتمد طهران سياسة تصعيد مدروس، حيث تحتفظ ببعض أوراقها، مثل جبهة البحر الأحمر، لاستخدامها عند الضرورة.
على المستوى الدولي، تتزايد المؤشرات على احتمال تصعيد واسع، مع تحضيرات لضربات جديدة، وضغوط لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وسط انقسام دولي يمنع حتى الآن إعطاء غطاء كامل لعمليات عسكرية شاملة.
أما سوريا، فتتمسك بموقف حذر، رافضة الانخراط المباشر في الحرب، لكنها في الوقت نفسه تتابع التطورات عن كثب، وتبقي على قنوات التنسيق مفتوحة، ما يعكس إدراكاً لحساسية موقعها في المرحلة المقبلة.
سوريا: حياد سياسي وحراك شعبي مضبوط
في موازاة التصعيد الإقليمي، تتعامل سوريا مع الحرب بمنطق مزدوج يجمع بين الحذر السياسي وضبط الشارع الداخلي. فعلى المستوى الرسمي، تواصل دمشق التأكيد على رفض الانخراط المباشر في المواجهة، رغم الضغوط الإقليمية ومحاولات دفعها للعب دور ميداني، معتبرة أن أي تورط عسكري مباشر سيحمّلها كلفة تفوق قدرتها على التحمل في هذه المرحلة.
لكن في المقابل، لا تبدو الساحة السورية ساكنة. إذ شهدت مدن عدة، من دمشق إلى حلب ودرعا وحمص، موجة تظاهرات واسعة على خلفية الحرب في غزة والتصعيد الإسرائيلي، ولا سيما بعد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين من قبل الكنيست الإسرائيلي. هذه التحركات، رغم طابعها الشعبي، لا تبدو منفصلة بالكامل عن قرار سياسي مركزي، خصوصاً مع توحيد خطاب المساجد وخطبة الجمعة، ما يشير إلى وجود هامش تعبير مضبوط يُستخدم لامتصاص الضغط الشعبي من جهة، وإيصال رسائل سياسية من جهة أخرى.
بهذا المعنى، تحاول دمشق إدارة توازن دقيق: رفع السقف السياسي والشعبي في مواجهة إسرائيل، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فهي تترك المجال لحراك شعبي واسع يعبّر عن المزاج العام المؤيد لفلسطين، وفي الوقت نفسه تحافظ على قرار استراتيجي بعدم فتح جبهة جديدة، إلا في حال تعرضها لاستهداف مباشر.
هذا النموذج يعكس مقاربة سورية قائمة على “المشاركة غير المباشرة” في الصراع، حيث يتم توظيف الشارع كأداة ضغط سياسي، بالتوازي مع الحفاظ على تموضع رسمي حذر، يهدف إلى تجنب الانخراط في حرب مفتوحة، مع البقاء ضمن معادلة الصراع الإقليمي.
في المحصلة، لا يمكن فصل ما يجري داخل لبنان عن المسار الإقليمي الأوسع، ولا العكس. فالحرب التي بدأت على الحدود الجنوبية تحوّلت سريعاً إلى عامل ضغط داخلي يعيد تشكيل التوازنات السياسية والطائفية، ويفتح الباب أمام فراغات جديدة في أكثر من بيئة، من بيروت التي تتحول إلى عمق عملياتي، إلى ساحات داخلية تعيد تعريف موقعها ودورها.
في المقابل، يتقدّم الإقليم نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الجبهات وتُعاد صياغة الأدوار ضمن شبكة صراع مفتوحة، لم تعد فيها أي ساحة معزولة عن الأخرى. لبنان، في هذا السياق، لم يعد مجرد خط تماس، بل بات عقدة متقدمة ضمن هذه الشبكة، يتقاطع فيها الضغط العسكري مع الحسابات السياسية الإقليمية.
وبين عجز داخلي واضح عن إنتاج مسار سياسي أو ضبط التحولات، وتصعيد إقليمي يتجه نحو مزيد من الاتساع، يبدو لبنان أمام لحظة فاصلة: إما أن يتحول إلى ساحة مستدامة لإدارة الصراع، أو أن يُفرض عليه مسار تسوية يأتي من خارج حدوده، يعيد رسم دوره وموقعه ضمن توازنات المنطقة الجديدة.