لم يكد يمضي وقت قصير على وعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، حتى تُرجمت التهديدات ميدانياً بضربة قاصمة استهدفت الصناعة الايرانية. ومع إعلانه أن الولايات المتحدة تقترب من أهدافها، أكد ترامب أن العمليات العسكرية ستستمر "بشدة" لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى لضمان التدمير الكامل للقدرات الاستراتيجية. وبالتزامن، أعلنت طهران خروج أكبر قلاعها الصناعية "مباركة" و"خوزستان" للصلب عن الخدمة تماماً، في خطوة تهدف لتجريد الآلة العسكرية الإيرانية من مادتها الخام الأساسية وشل قدرتها على التصنيع الدفاعي لمدد قد تصل إلى عام كامل.
شلل "أعمدة" الصناعة الإيرانية
أقرت طهران بحجم الكارثة الصناعية التي خلفتها الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، حيث أعلنت كبرى الشركات عن توقف إنتاجها لمدد طويلة:
• شركة فولاذ مباركة (أصفهان): أضخم وحدة صناعية في إيران وأكبر مصنع للصلب في الشرق الأوسط. أعلنت الشركة "توقف خطوط الإنتاج بالكامل" إثر كثافة الهجمات.
• شركة فولاذ خوزستان (الأهواز): ثاني أكبر منتج للصلب الخام في البلاد. وأكدت إدارتها أن إعادة تشغيل الوحدات المتضررة ستستغرق عاماً كاملاً، مما يعني انقطاع الشريان المغذي لمئات الصناعات التحويلية.
الصلب كـ"وقود" للآلة العسكرية
يأتي استهداف هذه المنشآت بناءً على تقارير أبرزها وزارة الخزانة الأمريكية، التي تصنف شركة 'مباركة' كشريان مالي وعسكري تديره شبكات تابعة لـ الحرس الثوري، تخضع المصانع لسلسلة طويلة من العقوبات الأميركية المشددة، حيث يوفر الصلب المنتج المواد الأساسية لتصنيع هياكل الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق. لم يكن استهداف هذه المنشآت اقتصادياً بحتة، بل جاء لتقويض القدرات الدفاعية والهجومية الإيرانية، حيث ترتبط هاتان الشركتان ارتباطاً وثيقاً بالصناعات العسكرية عبر ثلاث ركائز أساسية:
• المواد الأولية للصواريخ والمسيرات: وفقاً لتقارير وزارة الخزانة الأمريكية، تُعد هذه المصانع المورد الرئيسي للسبائك المعدنية عالية الصلابة التي تُستخدم في تصنيع هياكل الصواريخ الباليستية، أجنحة الطائرات المسيرة (UAV)، ومنصات الإطلاق المتنقلة.
• التدريع والصناعات البحرية: يشكل إنتاج "مباركة" و"خوزستان" العصب الأساسي لتصنيع دروع المركبات العسكرية التابعة للحرس الثوري، فضلاً عن توفير الصلب اللازم لبناء السفن الحربية والزوارق السريعة.
• التمويل المباشر للحرس الثوري: تُصنف هذه الشركات كـ"خزائن نقدية" للنظام، إذ تدر مليارات الدولارات من الصادرات التي تُستخدم مباشرة لتمويل برامج التسلح الإقليمية، وهو ما جعلها هدفاً دائماً للعقوبات الدولية تحت بند "دعم الإرهاب والتسلح".
ولم تتوقف الهجمات عند حدود تدمير القواعد الصناعية، بل امتدت لتطال الرؤوس المدبرة لمنظومة التمويل العسكري، حيث أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة "إكس"، عن تصفية جمشيد إسحاقي، قائد "مقر النفط" التابع للنظام الإيراني، في ضربة دقيقة استهدفت العاصمة طهران. ويُعد هذا المقر جزءاً حيوياً من القوات المسلحة الإيرانية، حيث يعمل كركيزة مركزية تتيح بناء القدرات العسكرية عبر عائدات النفط والالتفاف على العقوبات الدولية. وبحسب ادرعي أشرف إسحاقي لسنوات على ذراع التمويل النفطي المخصص للصناعات العسكرية، وتحديداً إنتاج الصواريخ البالستية وأجهزة القمع الداخلي، فضلاً عن تأمين ميزانيات ضخمة لتمويل أذرع النظام في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها "حزب الله" والحوثيون، لضمان استمرار عملياتهم في المنطقة وخارجها.
يأتي هذا الشلل الصناعي في وقت حساس، تدمير قطاع الصلب يهدف إلى تجريد إيران من قدرتها على "الاستنزاف طويل الأمد" وتعويض خسائرها من العتاد العسكري. وبينما يتحدث ترامب عن اقتراب الحسم، تجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام واقع اقتصادي وعسكري منهار، يعقّد قدرتها على تنسيق أي هجمات واسعة.