في الوقت الذي تتعالى فيه طبول الحرب ويطغى ضجيج السلاح، برز من قلب الضاحية الجنوبية لبيروت صوتٌ لا يشبه الصدى، بل جاء كصرخة إنسانية موجعة تكسر جدار الصمت لترفض 'ثقافة الموت' وتتمسك بالحق في الحياة. زينب سعد، المواطنة اللبنانية التي لم تنطق بلغة السياسة الخشبية، بل تحدثت بلسان الأم، ووجع البيت، وأنين الوطن الجريح، فجسدت في كلماتها صرخةً نابعة من عمق المعاناة، لتمثل شريحة واسعة من اللبنانيين، لا سيما من أبناء الطائفة الشيعية الذين يرفضون اليوم اختصار هويتهم وتطلعاتهم في خيارات عسكرية تُفرض على حاضرهم ومستقبل وطنهم، معلنين أن الانتماء للأرض يبدأ بقدسية الإنسان لا بمشاريع الفناء.
عبّرت زينب سعد بكلمات مؤثرة عن مأساة النزوح السوريالي، حيث قالت: "نزحت مشي.. وصلت لعين الرمانة لوح ثلج، ومعي بنتي". هذا المشهد يختصر معاناة الآلاف الذين يجدون أنفسهم ضحايا لقرارات لم يشاركوا في صنعها. تجلت قوة موقف زينب سعد في صياغتها لخطاب وطني وإنساني متكامل، حيث ربطت بشجاعة فائقة بين المسؤولية الوطنية وضرورة محاسبة الجهات التي اتخذت قرار الحرب دون أدنى اعتبار لقدرة الناس على الصمود أو تأمين بدائل لتهجيرهم، وبين قدسية الحياة التي دافعت عنها بلغة الأمومة الفطرية، رافضةً بشكل قاطع تحويل الأبناء إلى "قرابين" تقدم للموت في سبيل أجندات خارجية، ومؤكدة أن كل طفل هو "قطعة من القلب" لا تعوضها كل شعارات النصر الزائف. ولم تكتفِ زينب بالاعتراض، بل قدمت رؤية سيادية واضحة تمثلت في الإيمان بالدولة، عبر تشديدها على أن الدولة اللبنانية القوية بمؤسساتها وقراراتها هي الملجأ الوحيد والشرعي القادر على حماية كرامة مواطنيها.
لم يمر صوت زينب بسلام، فبمجرد أن نطقت بوجعها، واجهت حملة شرسة من التحريض. الفيديو يُظهر تعرضها لهجوم كلامي مباشر من قبل المدعو محمد سيف الدين، وصل إلى حد مطالبتها "بخلع حجابها" لمجرد أنها عارضت التوجه السياسي المهيمن في بيئتها. "روحي اشلحي حجابك".. هذه الجملة لم تكن مجرد إهانة شخصية، بل هي تعبير عن عقلية إقصائية ترى في الزي الديني صك ملكية فكرية وسياسية، وتعتبر أن أي خروج عن "القطيع" يبرر تجريد الفرد من كرامته وانتمائه. هذا الفيديو يثبت أن الطائفة الشيعية في لبنان ليست "كتلة صماء" كما يحاول البعض تصويرها. هناك أصوات شجاعة ترفض أن تكون الضاحية والجنوب مجرد ساحات بريد لرسائل إقليمية.
إن الهجوم على زينب سعد ليس دليلاً على قوتهم، بل هو دليل على ارتباكهم أمام الحقيقة. صوت زينب هو صوت "اللبناني الإنسان" الذي يريد بيتاً آمناً، ومستقبلاً لأبنائه بعيداً عن الصواريخ والدمار. هي لم تشلح حجابها، بل خلعت القناع عن وجه القمع، وأثبتت أن الحجاب لا يحجب العقل ولا يمنع الصدق. يشار الى ان هذا الفيديو من حلقة برنامج "مش مسرحية" لجو معلوف بثت يوم الاثنين الماضي.