القائمة
10:21 24 آذار 2026

تدمير جسور الليطاني: عزل الجنوب تمهيدا لاجتياحه؟

لبنان

في خطوة وصفها المراقبون بأنها الأعنف منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الصراع، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه أصدر أوامره للجيش بتدمير كافة الجسور العابرة لنهر الليطاني، تلك الشرايين التي تربط جنوب لبنان بعاصمته بيروت وبمنطقة البقاع شرقاً. وما هي إلا ساعات حتى تحوّل التهديد إلى حطام: جسر القاسمية أولاً، ثم الزرارية، ثم قعقعية... في تسلسل ممنهج بات يُعرف إعلامياً بـ"حرب الجسور".

جسور الليطاني

لفهم أهمية هذه الجسور، لا بد من استيعاب الموقع الاستراتيجي لنهر الليطاني. فهو النهر الرئيسي في لبنان، الممتد لنحو 170 كيلومتراً، ويبعد عن الحدود الإسرائيلية ما بين 6 و30 كيلومتراً. وتُشكّل المنطقة الواقعة جنوبه ما يُعرف بـ"الجنوب الحدودي"، أي أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون، وأجزاء من قضاء النبطية. هذا الشريط هو الحاضنة الجغرافية للمعركة، وهذه الجسور هي أوردته.

تحصي المصادر سبعة جسور تربط ضفتي النهر، أربعةٌ منها رئيسية: القاسمية، والخردلي، وقعقعية، وطيرفلسيه. وقد طالت الضربات الإسرائيلية معظمها بشكل مباشر، فيما استهدفت الطرق المؤدية إلى الخردلي دون أن تضربه مباشرةً، ولم يسلم من القصف سوى جسر برغز الرابط بين البقاع الغربي والجنوب.

الجسور التي تربط جسر الليطاني

جسر القاسمية هو أبرزها وأكثرها رمزيةً، إذ يقع قرب مصب النهر شمال مدينة صور، ويمثل حلقة الوصل الرئيسية بين صيدا والجنوب على الطريق الساحلية. تدميره يعني فعلياً عزل مدينة صور وقضائها عن شريان الإمداد الأساسي.

جسر الزرارية يتقاطع فيه أربعة أقضية دفعةً واحدة: صور وبنت جبيل والنبطية والزهراني، وهو ما يجعله بوابةً للتواصل بين الساحل والعمق الداخلي.

جسر قعقعية يربط قضاءي النبطية وبنت جبيل فوق المنطقة الوسطى من النهر، وقد دُمّر بالكامل في غارة فجرية، قاطعاً الطريق نحو وادي الحجير وقطاع الغندورية.

جسر طيرفلسيه شريانٌ يربط صور وبنت جبيل والنبطية والزهراني معاً، وقد استُهدف مباشرة.

إقرأ أيضاً: اغتيال قيادي من فيلق القدس في الحازمية يشعل توترات النزوح

تدمير جسر الليطاني

 أولاً: المنطق العسكري

تقدّم إسرائيل عملياتها على أنها تهدف إلى قطع خطوط الإمداد عن حزب الله، ومنع نقل التعزيزات نحو الجنوب. وهو ما أعلنه الجيش صراحةً قبيل قصف جسر القاسمية. بيد أن المراقبين يلفتون إلى أن هذه الجسور مدنية بالدرجة الأولى، وأن قطعها يطال السكان المدنيين بالقدر ذاته أو أكثر.

 ثانياً: نظرية "الرجل المجنون" والضغط التفاوضي

يرى أستاذ العلوم السياسية عبد الله الشايجي أن استهداف الجسور لا يمكن فصله عن إستراتيجية أوسع تقوم على ما يُعرف بـ"نظرية الرجل المجنون"، أي إيهام الخصم بأن القرارات غير قابلة للتنبؤ وأن التصعيد بلا سقف، بهدف دفعه إلى تقديم تنازلات، لا سيما في ملف سلاح حزب الله. ويرى الشايجي أن هذا النهج يتقاطع مع أسلوب إدارة ترامب في التفاوض عبر التهديد والتصعيد المحسوب.

 ثالثاً: التمهيد لغزو بري؟

هذه هي القراءة التي تتبناها بيروت رسمياً. فالرئيس اللبناني جوزاف عون وصف تفجير الجسور بأنه "مقدمة لغزو بري"، مشيراً إلى أنه يندرج ضمن مخططات لإقامة منطقة عازلة وتثبيت الاحتلال. وتعزز هذه القراءة تقاريرُ تفيد بأن رئيس الأركان الإسرائيلي وافق على خطط لتعميق العمليات البرية، فضلاً عن اشتباكات متصاعدة في الخيام والناقورة وكفركلا وعلما الشعب.

لا يمكن قراءة "حرب الجسور" بمعزل عن ثقلها الإنساني. فنحو 20% من سكان جنوب الليطاني لا يزالون في مناطقهم، وأي انقطاع للطرق يعني حرمانهم من الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. وقد حذّر رمزي قيس من منظمة هيومن رايتس ووتش من أن عزل المنطقة بشكل كامل ينذر بـ"كارثة إنسانية". وعلى صعيد الأرقام، تجاوز عدد القتلى منذ الثاني من مارس ألف شخص، فيما تخطّى عدد النازحين المسجلين المليون.

ما تكشفه "حرب الجسور" في جوهرها هو أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين في آنٍ واحد: عسكري يتمثل في عزل ساحة العمليات جنوب الليطاني وتجفيف الإمداد، وسياسي يتمثل في رفع سقف الضغط التفاوضي حول مستقبل حزب الله وسلاحه. غير أن ثمن هذه المعادلة يدفعه مدنيون محاصرون بين جسور مهدّمة ومصير غير معلوم.

والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستتوقف الآلة العسكرية عند هذا الحد، أم أن تدمير الجسور ليس سوى المقدمة؟