في زيارة تفقدية إلى طرابلس، رسم رئيس الحكومة نواف سلام ملامح مقاربة إنمائية جديدة للمدينة، مؤكداً أن الحكومة "تتصدى للإهمال المزمن عبر إطلاق مشاريع حيوية"، في مقدّمها تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة، وإعادة إحياء معرض رشيد كرامي، والعمل على إعادة تشغيل مطار رينيه معوض، باعتبارها مشاريع قادرة على إعادة وصل طرابلس بدورتها الاقتصادية الوطنية والإقليمية.
وتأتي الزيارة في وقت تعيش فيه طرابلس حالة قلق دائم، إذ لم يعد “شبح الانهيار” مجرد احتمال، بل واقعاً تكرر أكثر من مرة مخلفاً ضحايا وأضراراً جسيمة. وفي هذا السياق، شدد سلام، رداً على سؤال حول المدارس المتصدعة، على أن الحكومة "ستعالج هذا الملف ولن تسمح بانهيار سقف أو جدار فوق رأس أي طالب أو أستاذ"، مؤكداً أن السلامة التربوية خط أحمر.
وكانت الحكومة أقرت مطلع الشهر الجاري، خطة طوارئ قضت بإخلاء 114 مبنى متصدعاً خلال مهلة شهر واحد، مع التعهد بدفع بدلات إيواء مؤقتة لقاطنيها لمدة سنة، في خطوة استباقية لتفادي الكوارث.
وفي سياق الزيارة، وصل رئيس الحكومة إلى مبنى المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، حيث ترأس اجتماعاً موسعاً بمشاركة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، ورئيس المنطقة حسان ضناوي، ورئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، إضافة إلى أعضاء هيئة المنطقة، لبحث الأوضاع الإنمائية والاجتماعية وسبل تحريك العجلة الاقتصادية في المدينة.
وخلال الاجتماع، أعلن سلام حزمة مواقف اقتصادية ــ اجتماعية، مؤكداً أن الحكومة تعمل على "إيصال حوافز موظفي القطاع العام إلى أصحابها"، بالتوازي مع السعي إلى تحسين جباية الضرائب والرسوم الجمركية، وإصدار أوامر تحصيل بحق الكسّارات، وإعادة درس ملف الأملاك البحرية، إضافة إلى اعتماد ضريبة قيمة مضافة (TVA) تطال الشرائح الأكثر ثراءً.
وفي ما يتعلق بملف المحروقات، أوضح سلام من المنطقة الاقتصادية في طرابلس أن "الحكومة اضطرت إلى رفع سعر البنزين، لكنها ألغت الزيادة على المازوت التي تطال الفئات الفقيرة"، في محاولة لتخفيف الأعباء الاجتماعية عن الأكثر هشاشة.
ولا تُعد هذه الجولة إجراءً بروتوكولياً، بل تأتي استجابة مباشرة لتاريخ دامي من الانهيارات، أعاد إلى الواجهة فاجعتين هزّتا الرأي العام: الأولى في منطقة القبة مطلع العام الجاري، والثانية في حي باب التبانة مطلع فبراير/شباط، والتي أودت بحياة 14 مدنياً وفتحت مجدداً ملف الإهمال المزمن للأبنية القديمة.
جغرافياً، تُعد طرابلس من أكثر مدن المتوسط كثافة سكانية، فيما يضم نسيجها العمراني المملوكي والعثماني في أحياء كالتبانة والقبة والأسواق القديمة مئات المباني المتقادمة، التي تحولت إلى “قنابل موقوتة” بفعل غياب الصيانة والضائقة الاقتصادية، ما يجعل أي عاصفة أو هزة أرضية تهديداً مباشراً لحياة السكان، ويضع زيارة سلام اليوم في صلب اختبار ترجمة الوعود إلى أفعال.
المصدر: وكالات + كواليس