في وقت تستعد فيه واشنطن وتل أبيب لإطلاق مفاوضات تجديد مذكرة التفاهم الأمنية لعشر سنوات إضافية، تشير المعطيات إلى أن المباحثات المرتقبة ستتجاوز البعد المالي التقليدي، نحو إعادة تعريف جوهر العلاقة العسكرية بين الطرفين. فإسرائيل، وفق تسريبات سياسية، تسعى هذه المرة إلى الانتقال من موقع المتلقي للمساعدات إلى شريك في مشاريع عسكرية وتكنولوجية مشتركة، في خطوة تعكس قراءة إسرائيلية لتحولات المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة.
تفيد مصادر مطلعة بأن الطرح الإسرائيلي لتقليص الاعتماد على المساعدات النقدية المباشرة، المقدرة بنحو 3.3 مليارات دولار سنوياً، لا يعكس تراجعاً في مستوى التحالف، بقدر ما يمثل محاولة لتحصين العلاقة من أي تقلبات سياسية مستقبلية في واشنطن.
ويرى مراقبون أن استمرار الاعتماد على المنح المالية بات يشكل عبئاً سياسياً محتملاً، في ظل تصاعد التيارات الانعزالية داخل الولايات المتحدة، والتي تنظر إلى المساعدات الخارجية باعتبارها عبئاً على الخزينة العامة. ومن هنا، يبرز التوجه الإسرائيلي لتحويل الدعم إلى استثمارات مشتركة في مجالات البحث والتطوير العسكري، بما يضمن مصالح متبادلة للطرفين.
يحمل هذا التحول بعداً استراتيجياً مزدوجاً. فمن جهة، يربط الدعم الأمريكي بمشاريع صناعية وتكنولوجية تستفيد منها الشركات الأمريكية، ما يجعل أي تراجع مستقبلي عن التمويل أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً داخل الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، ينسجم الطرح الإسرائيلي مع مقاربة “أمريكا أولاً” التي تفضل الشراكات الإنتاجية على الالتزامات المالية المباشرة.
وتعود مذكرات التفاهم الأمنية بين واشنطن وتل أبيب إلى أواخر التسعينات، حيث شهدت تصاعداً تدريجياً في حجم الدعم:
-
عام 1998: اتفاقية بقيمة 21.3 مليار دولار.
-
عام 2008: ارتفعت القيمة إلى 32 مليار دولار.
-
عام 2016: وُقعت المذكرة الحالية بقيمة 38 مليار دولار، وتنتهي في سبتمبر 2028.
ويُذكر أن عام 2024 شكّل استثناءً لهذا الإطار، مع تقديم مساعدات طارئة بمليارات الدولارات خارج سقف المذكرة، لتغطية تكاليف الحرب في غزة، وهو ما أعاد فتح النقاش داخل إسرائيل حول مخاطر الاعتماد المفرط على التمويل الأمريكي المباشر.
تشير تقارير إلى أن إسرائيل تطرح أفكاراً لاتفاقيات أطول أمداً، قد تمتد إلى 20 عاماً، بهدف ضمان التفوق العسكري النوعي على المدى البعيد. ويقرأ محللون تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول تقليص الاعتماد على المساعدات في إطار رسالة مزدوجة: للداخل الإسرائيلي، تأكيد خطاب الاعتماد على الذات وتعزيز صورة السيادة العسكرية. وللإدارة الأمريكية، إبراز إسرائيل كحليف منتج وشريك صناعي، لا كطرف يعتمد على “شيكات مفتوحة”.
المفاوضات المرتقبة لن تُختزل بسؤال حجم المساعدات، بل ستتركز على طبيعة التعاون وشكله. فإعادة صياغة مذكرة التفاهم تعكس تحولاً أعمق في بنية التحالف، حيث تصبح الشراكة التكنولوجية والاندماج الصناعي العسكري هما الضمانة الأساسية لاستمرار العلاقة، في عالم يتسم بتعدد الأقطاب وتزايد الحسابات الداخلية في السياسات الغربية.