في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات الشعبية في إيران منذ أواخر ديسمبر، أقدمت كل من إيطاليا وألمانيا وفرنسا على استدعاء السفير الإيراني، في خطوة غير مسبوقة، على خلفية حملة القمع العنيف التي تمارسها السلطات ضد المتظاهرين. وتزامن هذا التصعيد مع تصريحات أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ، الذي وصف الوضع في طهران بأنه "مقزز"، فيما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عزمها فرض عقوبات جديدة على كيانات وشخصيات إيرانية، تشمل إدراج الحرس الثوري ضمن قوائم الإرهاب، لتصبح هذه العقوبات نافذة على 27 دولة عضو.

في واشنطن، يعكف الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دراسة حزمة خيارات واسعة تتراوح بين الضغط الاقتصادي، ودعم الاحتجاجات عبر الإنترنت، والهجمات السيبرانية، وصولاً إلى ضغوط عسكرية محدودة. وفي خطاباته الأخيرة، دعا ترامب الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاج، ومحاسبة من يقتلون المدنيين، مؤكّدًا أن الدعم الأميركي "قادم". محللون يرون في هذا التحرك محاولة أميركية لاختبار قدرة النظام على الصمود أمام ضغوط مزدوجة، داخلية وخارجية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ويأتي هذا التصعيد الدولي في سياق هشاشة اقتصادية واجتماعية متزايدة في إيران. التضخم وصل إلى مستويات قياسية، وقيمة الريال انهارت، فيما تشير تقديرات حقوقية إلى مقتل مئات المحتجين واعتقال آلاف آخرين. السلطات حاولت السيطرة على المشهد عبر قطع شبه كامل للإنترنت، مما أعاق تدفق المعلومات إلى الخارج، لكن خدمة الأقمار الصناعية «ستارلينك» ما تزال توفر نافذة اتصال محدودة لبعض الإيرانيين، مما يمنح الشارع القدرة على البقاء متصلًا بالعالم الخارجي.

أبعاد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، لا تزال تلقي بظلالها على الوضع الراهن. الهجمات الإسرائيلية استهدفت المفاعلات والصواريخ الإيرانية، وأظهرت محدودية قدرة الحرس الثوري على مواجهة إسرائيل والقوى الإقليمية في آن واحد، ما أسهم في إضعاف النفوذ الإيراني في لبنان واليمن وسوريا. مراقبون يرون أن هذه الحرب مثلت "نكسة مزدوجة": عسكريًا وضغطًا نفسيًا على القيادة الإيرانية، وسط احتجاجات شعبية غير مسبوقة.

في الوقت نفسه، تحاول إيران تعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية، وخصوصًا مع روسيا، التي أعلنت مرارًا رفضها لأي تهديد أميركي للنظام الإيراني، مؤكدة أن الحلول العسكرية لن تعالج الأزمة الداخلية، وأن استخدام الضغط الخارجي قد يؤدي إلى اضطرابات إقليمية واسعة. إيران بدورها أكدت استعدادها لمواجهة جميع السيناريوهات، مهددة بأنها ستستهدف أي مصالح أميركية أو إسرائيلية في المنطقة في حال شنت واشنطن أو تل أبيب أي هجوم.

 

التوقعات في المرحلة المقبلة تشير إلى سيناريوهات متعددة: استمرار الاحتجاجات مع ضغوط اقتصادية إضافية، تكثيف العقوبات الأوروبية، واحتفاظ الإدارة الأميركية بخيارات الرد السيبراني والميداني كأدوات ضغط محتملة، مع احتمال تصعيد محدود إذا قررت إيران الرد على أي تهديد مباشر. خبراء يشيرون إلى أن الأزمة الحالية قد تُعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مع تزايد العزلة الإيرانية، وربما ظهور تيارات داخلية جديدة تتحدى السلطة القائمة، مما قد يقود النظام إلى مرحلة حرجة لم يسبق لها مثيل منذ الثورة الإيرانية عام 1979.