لم يكن تصريح المتحدث باسم الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، لقناة "الجديد"، اليوم السبتو مجرد إحاطة إعلامية عابرة؛ بل شكّل، وفق قراءة دبلوماسية معمّقة، أول إقرار دولي صريح بأن الجيش اللبناني نجح في اختراق واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً: نزع سلاح "حزب الله" في مناطق محددة، وتنفيذ بنود وقف إطلاق النار بدقة ميدانية غير مسبوقة.
حديث كونفافرو عن "تقدمات كبيرة على الأرض" مقارنة بمرحلة ما قبل وقف إطلاق النار، يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز توصيف الواقع. فهو تأكيد بأن المرحلة الأولى من الخطة الأمنية الدولية لم تبقَ حبراً على ورق، بل تحولت إلى وقائع ميدانية، كسر فيها الجيش اللبناني محرّمات طالما جرى التعامل معها كـ"ثوابت غير قابلة للمسّ". ويرى مراقبون أن باريس، عبر هذا التصريح، تمنح الضوء الأخضر للانتقال إلى مرحلة أكثر حساسية، وتعلن عملياً أن المؤسسة العسكرية باتت المرجعية الأمنية الوحيدة، وأن زمن "الأمن بالتفاهمات" يفسح المجال أمام "الأمن بالقانون والقرار الدولي".
في موازاة الإشارة الفرنسية، جاء حراك قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، في واشنطن ليكمّل الصورة. فزيارته إلى العاصمة الأميركية، ولقاءاته مع مسؤولين في البنتاغون والخارجية، لا تندرج في إطار طلب الدعم التقليدي، بل تمثل وفق مصادر مطلعة محطة مفصلية في مسار "تثبيت الدولة". العماد هيكل يحمل تصوراً متكاملاً للمرحلة التالية، يقوم على تمكين الجيش من ملء الفراغ الأمني كاملاً، ومنع إعادة إنتاج أي واقع مسلح خارج الشرعية، مستنداً إلى غطاء سياسي داخلي ودعم دولي متقاطع.
اللافت في المشهد، هو التوازي المدروس بين الموقف الفرنسي الداعم سياسياً، والموقف الأميركي الداعم عسكرياً ولوجستياً. هذا التناغم يؤمّن مظلة حماية دولية للمؤسسة العسكرية، ويمنح قائد الجيش هامش حركة أوسع في تنفيذ ما كان يُعتبر حتى وقت قريب "مستحيلاً".
يعتمد الجيش، بقيادة هيكل، مقاربة تقوم على "تفكيك الألغام" بهدوء، من دون انزلاق إلى مواجهات مباشرة. نزع السلاح وتنفيذ الالتزامات الأمنية يجريان كجزء من مسار استعادة السيادة، لا كخطوة استفزازية، وهو ما يفسر الإشادة الدولية بـ"جدية التنفيذ". الرسالة باتت واضحة: المجتمع الدولي يراقب، والجيش ينفّذ، والحكومة برئاسة نواف سلام تؤمّن الغطاء السياسي.
إذ أن ما يجري ليس مجرد تقدم أمني تقني، بل تحول في قواعد اللعبة. الجيش اللبناني لم يعد طرفاً مكمّلاً، بل أصبح الرقم الأصعب في المعادلة، والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت الدولة قادرة على تثبيت هذا الإنجاز، أم أن اختبار التفاصيل سيحمل تحديات أكبر.
المصدر: كواليس