نجحت الديبلوماسية اللبنانية في تحقيق خرق هام تمثل بفرض مطلبها الأساسي الذي يجب ان يسبق أي ترتيبات امنية وهو تثبيت وقف اطلاق شامل لإطلاق النار.
وفي حين ان "حزب الله" كان ميدانيا يلتزم قبل يوم بمعادلة "الضاحية مقابل مستوطنات الشمال"، فإن لبنان الرسمي رفض بقاء الجنوب ساحة للتدمير ورفض هذه المعادلة، حيث خاص الوفد المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم، بدعم وتوجيهات من بيروت، نقاشات شاقة لتثبيت وقف شامل لإطلاق النار وهو ما نجح بعد ساعات طويلة من مفاوضات اليوم الثاني في واشنطن.
ولفت مصدر مطلع ل "كواليس" ان الجهات الرسمية في بعبدا والسراي بذلك جهودا مضنية وحثيثة مع اتصالات مفتوحة مع الأطراف المعنية لمنع حال المراوحة القائمة.
وتمسك لبنان موقف واضح يقوم على أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون المدخل الإلزامي لأي نقاش لاحق، وسط ضغط اميركي نحو مقاربة أوسع تربط التهدئة بترتيبات أمنية وعسكرية تتصل بدور الجيش اللبناني ومستقبل سلاح "حزب الله"، وإصرار نتنياهو على استخدام الميدان كورقة ضغط تفاوضية، في محاولة لفرض وقائع جديدة قبل الوصول إلى أي تسوية او اتفاق، وهذا ما ترجمه الميدان جنوبا حيث عمد الجيش الإسرائيلي الى تكثيف اعتداءاته الجوية قبل ساعات من البيان المشترك الذي أصدرته الخارجية الاميركية بشأن الاتفاق الجديد.
البيان الثلاثي
وفي بيانها حول جولة المفاوضات الرابعة بين لبنان وإسرائيل، أوضحت الخارجية الاميركية أن "وقف إطلاق النار يعتمد على الوقف الكامل لنيران حزب الله وإخلاء جميع عناصر الحزب من منطقة جنوب الليطاني"، مشيرة الى الاتفاق على "الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأراضي، مع استبعاد جميع الجهات المسلحة غير التابعة للدولة"، مع الاتفاق على اذار امني يستند الى مسار البنتاغون العسكري الذي انطلق في ٢٩ أيار الماضي، ويتضمن "تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومنع إعادة تشكيلها أو عودتها مستقبلاً".
وكان لافتا ان اشتراط البيان تقيد حزب الله بالتنفيذ، يجعل الكرة الآن في ملعبه ليتحمل مسؤولية استمرار الخراب والحرب امام اللبنانيين وبيئته المنهكة، ذلك ان أي فشل من قبله بالالتزام وإعطاء الذرائع لإسرائيل لاستكمال عدوانها واحتلالها، سيضع الحزب بمواجهة اللبنانيين والجنوبيين تحديدا، بالإضافة الى الدولة اللبنانية التي استطاعت انتزاع أقل الممكن في ظل انعدام موازين القوى الحالي بعد اقحام لبنان في حرب الانتقام لخامنئي في ٢ اذار الماضي.
ولعل ابرز الضربات التي وجهها البيان هي لإيران، عبر ادانة هجماتها على دول المنطقة وتقويض الاستقرار في الشرق الاوسط سواء مباشرة او عبر الاذرع. وكذلك كف يدها عن التدخل في المسار اللبناني وتأكيد استقلاليته من خلال التأكيد على أن "أي اتفاق لوقف الأعمال القتالية يجب أن يتم التوصل إليه مباشرة بين الحكومتين، وبرعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل".
ولا يمكن في هذا المسار إهمال ما صرح به وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو في شهادته امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس بأنه ليس لإسرائيل مطامع في الأراضي اللبنانية، وما قاله وسجل في محاضر الكونغرس يعد بمثابة تعهد وإقرار رسمي أميركي بالالتزام بسيادة لبنان الكاملة وانسحاب إسرائيل الناجز.
ضغوط أميركية لمنع الانفجار الكبير
ووبحسب معلومات "كواليس" فإن الجولة الأخيرة من المفاوضات أن الساعات الماضية شهدت ضغوطاً أميركية مباشرة على الجانبين الإسرائيلي واللبناني لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، بعدما كانت إسرائيل تدرس تنفيذ ضربات واسعة ضد الضاحية الجنوبية لبيروت.
وبحسب المعطيات، تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً إلى جانب وزير الخارجية روبيو لاحتواء التصعيد، ما أدى إلى تراجع تل أبيب عن استهداف بيروت والضاحية مقابل تفاهمات غير معلنة تتصل بمنع استهداف المدنيين داخل إسرائيل.
هذا التدخل الأميركي لم يكن مرتبطاً بالساحة اللبنانية فقط، بل جاء أيضاً في إطار حرص واشنطن على منع أي تصعيد قد يؤدي إلى نسف المسارات التفاوضية الأوسع مع إيران، والتي تعتبرها إدارة ترامب أولوية استراتيجية خلال المرحلة الحالية.
وتشير مصادر مطلعة لـ "كواليس" الى دور سعودي كبير لعب دورا هاما للحد من التمادي الإسرائيلي وضرورة ان تحرج جولة المفاوضات الأخيرة باتفاق واضح يمكن ان يشكل البداية لسياسة الخطوة- خطوة التي يبدو ان تضمن البيان لعبارة "مناطق تجريبية" هو انعكاس لها.
ونتيجه هذه الجهود والضغوط، لم تقتصر المقاربة الأميركية المطروحة على وقف الأعمال القتالية. ووفق ما أعلنه مسؤولون أميركيون، فإن النقاش تركزت حول ثلاثة ملفات مترابطة: تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، وضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي توغلت فيها قواته، وإقرار ترتيبات أمنية طويلة الأمد تتعلق بحصر السلاح وتعزيز دور الجيش اللبناني في تنفيذ آليات المراقبة والضبط.
غير أن هذه الرؤية واجهت تحفظاً لبنانياً واضحاً، إذ تعتبر بيروت أن أي نقاش حول الترتيبات الأمنية يجب أن يأتي بعد تثبيت وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، وليس قبل ذلك، خشية أن تتحول المفاوضات إلى عملية فرض شروط سياسية وأمنية على الدولة اللبنانية تحت ضغط العمليات العسكرية المستمرة.
حزب الله بين التريث والمراقبة
في موازاة ذلك، يتعامل حزب الله بحذر مع مسار المفاوضات. وبحسب مصادر مطلعة، يتجنب الحزب في المرحلة الحالية خطوات قد تُفسَّر على أنها محاولة لإفشال الجهود الأميركية، وهو يراقب نتائج محادثات واشنطن قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بمستوى انخراطه الميداني خلال المرحلة المقبلة.
وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الدبلوماسية إلى أن لبنان يقف اليوم أمام معادلة معقدة. فمن جهة، هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى وقف شامل للحرب بدفع أميركي وعربي، ومن جهة أخرى تتزايد الضغوط لدفع الدولة اللبنانية نحو تقديم التزامات أمنية وسياسية واسعة تتصل بمسألة السلاح ودور الجيش ومستقبل الجنوب.
وفي حين تؤكد واشنطن أنها لن تسمح باستهداف بيروت أو البنية التحتية اللبنانية، فإنها تواصل في الوقت نفسه الضغط من أجل بلورة ترتيبات جديدة تعتبرها مدخلاً لضمان أمن إسرائيل ومنع عودة المواجهة العسكرية مستقبلاً. أما إسرائيل، فتبدو أقل حماسة لأي اتفاق لا يتضمن ضمانات صارمة تتعلق بسلاح حزب الله.
ويبدو ان الاتفاق الحالي هو انجاز هام بحاجة الى متابعة وهو موهون الى حد كبير بمدى التزام الحزب من جهة، وقدرة واشنطن من جهة ثانية على فرض وقف للنار على اسرائيل، والا فأن الميدان سيبقى هو صاحب الكلمة الأخيرة في الصراع الايراني الإسرائيلي الحالي والذي يدفع لبنان ثمنه الباهظ.