عاش اللبنانيون أمس يوما شديد التقلب من اقصى لحظات التوتر والاقتراب من حافة عودة الحرب الى الضاحية وبيروت، تحديدا، الى تدخل الرئيس الاميركي دونالد ترامب شخصيا ومنع تدهور الامر الى تصعيد يعني فعليا كل اتفاقات وقف اطلاق النار الهشة أصلا بين لبنان وإسرائيل.
بدأ التصعيد مع بيان مشترك صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس باصدار أوامر مباشرة للجيش الاسرائيلي بالاستعداد لاستهداف مواقع في الضاحية الجنوبية وبيروت، مع تسريبات إعلامية إسرائيلية بأن القرار اتخذ بموافقة الولايات المتحدة الاميركية. هذا التطور، جعل المخاوف تتعدى أن يكون ما يجري مجرد ضغط عسكري اعتادته إسرائيل عشية جلسات التفاوض مع لبنان، والتي تستأنف اليوم.
أدى ذلك فعليا الى موجة نزوح جديدة من الضاحية، وحالة من الهلع والشلل أصابت العاصمة حيث قرر عدد من المدارس عدم اكمال اليوم الدراسي.
وهنا تسارعت الاتصالات، وارتكب الثنائي "المحرمات" التي كان يتهم الحكومة والرئاسة بها ويطلق على أساسها حملات التخوين:
1- رسالة مباشرة من حزب الله الى ترامب عبر رئيس البرلمان نبيه بري بأنه يوافق على وقف "شامل" لاطلاق النار مقابل الالتزام به، وهو تعهد رفض الحزب مرارا الالتزام به امام الحكومة
2- اتصال، علي حمدان، معاون الرئيس بري، بالصحافي الإسرائيلي- الاميركي باراك رافيد، محرر موقع "اكسيوس"، لتسريب خبر تعهد الحزب بوقف اطلاق النار. واذا كانت الغاية من تسريب الخبر عبر اكسيوس هو محاولة انقاذ وقف اطلاق النار وتجنيب العاصمة المزيد من التدمير والتهجير، فإنه قانونا مباشر ب "العدو" وهو التهمة التي لطالما استخدمها الثنائي للتنكيل بمعارضيه.
3- اعلان ترامب انه تحدث الى "حزب الله" عبر "ممثلين رفيعي المستوى"، من دون ان يصدر أي نفي من الحزب، وهو يطرح سؤالا جديا بشأن رفض الحزب لاتصالات لبنان على المستوى الرسمي بينما يبيحها لنفسه.
ووادت الاتصالات، وابرزها اتصال طويل لترامب مع نتنياهو، حمل توبيخا للاخير بسب تقارير إعلامية، الى وقف الهجمات التي كان الجيش الإسرائيلي ينوي تنفيذها ضد الضاحية.
ويبدو أن قاعدة الاشتباك الأساسية التي تم التوصل اليها بموافقة الحزب، هي بحسب بيان السفارة الاميركية في واشنطن، ان "تتوقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل امتناع حزب الله عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل". وعلى الرغم من محاولة الحزب والمحور تصوير ما حصل على انه "انتصار" تحقق بفضل التهديد الايراني باغلاق مضيق هرمز والتصعيد العسكري، ردا على التصعيد في لبنان، فإن قاعدة الردع الجديد هذه، ان صمدت، تدل على مدى تآكل القدرة العسكرية للحزب من معادلة امينه العام السابق حسن نصرالله "تل ابيب مقابل الضاحية" الى "مستوطنات الشمال مقابل الضاحية". وتطرح في المقابل فكرة القبول ببقاء الجنوب ساحة للتجريف والتفجير، وبالتالي ابقائه ساحة مفتوحة للحرب تهدد أي اتفاق مستقبلي.
وفي حين تنطلق مفاوضات المسار السياسي اليوم في واشنطن، مما توصلت اليه الاتصالات امس وتثبيت هذه المعادلة، وتطويرها، فإن تطور الامس بإعادة الضاحية الجنوبية لبيروت إلى صدارة بنك الأهداف العسكرية يشير الى أن الحرب الإسرائيلية بدأت تتجاوز البعد الميداني المباشر الى محاولة إسرائيلية واضحة لإعادة رسم شروط التفاوض بالقوة، وذلك بعد أشهر من التركيز على الجبهة الحدودية والقرى الجنوبية.
ما يجري لا يقتصر على رد عسكري على المسيّرات أو الصواريخ التي تستهدف شمال إسرائيل، بل يرتبط بمسار أوسع تعمل إسرائيل على فرضه قبل الوصول إلى أي تفاهمات سياسية أو أمنية. فتل أبيب تسعى إلى إنتاج واقع ميداني جديد يجعل أي مفاوضات مقبلة قائمة على موازين القوة التي تفرضها الحرب، لا على التفاهمات أو الضمانات الدولية.
فإسرائيل توصلت إلى قناعة بأن الوسائل الدفاعية وحدها لم تنجح في وقف هجمات المسيّرات والصواريخ بصورة كاملة، ما دفعها إلى الانتقال نحو سياسة الضغط المباشر على البيئة الحاضنة للحزب. وعليه، تحولت الضاحية إلى أداة ردع سياسية وأمنية تستخدمها تل أبيب لإجبار حزب الله على وقف عملياته العسكرية.
وفي الحسابات الإسرائيلية، فإن التهديد بضرب الضاحية لا يستهدف الحزب وحده، بل يطال الدولة اللبنانية أيضاً. فالرسالة الموجهة إلى بيروت تقوم على أن استمرار الوضع الحالي سيجعل العاصمة نفسها جزءاً من المعركة، وأن الحكومة اللبنانية ستكون مطالبة بتحمل مسؤولية أي تصعيد إذا لم تتمكن من فرض ترتيبات جديدة تتعلق بالسلاح والحدود والأمن.
ذلك أن الوقائع التي رافقت الجولة الأولى من المفاوضات العسكرية يوم ٢٩ أيار الماضي، كشفت أن إسرائيل لا تنظر إلى هذه الاجتماعات باعتبارها مدخلاً لوقف الحرب، بل تعتبرها جزءاً من معركة الضغط نفسها. فقد ظهر الوفد الإسرائيلي خلال الاجتماعات بموقف متشدد، رافضاً البحث في وقف إطلاق النار أو الانسحاب من الأراضي التي سيطر عليها، ومتمسكاً بأولوية نزع سلاح حزب الله قبل أي خطوة أخرى.
وبحسب الانطباعات اللبنانية، فإن الوفد الإسرائيلي حضر الاجتماع استجابة لرغبة أميركية أكثر مما حضر انطلاقاً من قناعة بجدوى التفاوض. ولذلك بدت تل أبيب وكأنها تريد كسب مزيد من الوقت لاستكمال عملياتها العسكرية قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية أو أمنية.
نتنياهو يُسابق التسويات الإقليمية
تُجمع التقديرات الدبلوماسية على أن نتنياهو يخوض اليوم سباقاً مفتوحاً مع الوقت. فهو يراقب بقلق مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي لم تصل بعد إلى نهايتها، لكنه يدرك أن أي تفاهم كبير بين واشنطن وطهران سيضع قيوداً جديدة على حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان والمنطقة. ولذلك يعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية قبل أن تنضج التسويات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، تبدو العمليات العسكرية الجارية جنوب لبنان جزءاً من مشروع متكامل يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. فالقوات الإسرائيلية واصلت خلال الأيام الأخيرة تقدمها في عمق الجنوب، مركزة عملياتها بين الليطاني والزهراني، مع تثبيت مواقعها في مرتفعات الشقيف والمناطق المشرفة على النبطية وعلي الطاهر وجبل الريحان. وهذه المناطق لا تُعتبر مجرد مواقع جغرافية، بل تمثل جزءاً أساسياً من البنية العسكرية لحزب الله جنوب لبنان.
إيران... الحاضر الغائب
في المقابل، تبقى إيران حاضرة في خلفية كل التطورات. فالتفاوض الجاري بينها وبين الولايات المتحدة ما زال يواجه عقبات معقدة، لكن المؤشرات المتوافرة تدل على أن الطرفين لا يرغبان بالعودة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة. كما أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على طهران تجعلها أكثر ميلاً إلى تثبيت التهدئة الحالية والسعي إلى ترتيبات طويلة الأمد تضمن مصالحها الإقليمية.
لكن إسرائيل تنظر إلى هذه المرحلة بطريقة مختلفة. فهي تعتبر أن أي تسوية أميركية – إيرانية يجب أن تترافق مع إنهاء البنية العسكرية التي بنتها طهران في المنطقة خلال العقود الماضية، وفي مقدمتها حزب الله. ولذلك تُظهر الحرب الحالية ملامح مشروع أوسع يتجاوز لبنان نفسه، ويستهدف إعادة صياغة التوازنات الإقليمية التي نشأت منذ عقود.
لبنان أمام أخطر اختبار
تجد الدولة اللبنانية نفسها اليوم بين ثلاثة ضغوط متزامنة: تصعيد إسرائيلي متواصل، وضغط أميركي لدفعها نحو ترتيبات أمنية جديدة، وحسابات إيرانية مرتبطة بمصير التفاوض مع واشنطن. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المعركة لم تعد تقتصر على وقف إطلاق النار أو حماية الحدود، بل أصبحت معركة حول شكل لبنان ودوره وموقعه في النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد الحرب.
ولهذا السبب لا تبدو تهديدات الضاحية مجرد إنذار عسكري عابر، بل عنواناً لمرحلة كاملة تحاول إسرائيل من خلالها فرض معادلة جديدة: التفاوض تحت النار، وإعادة رسم التوازنات بالقوة، وتحويل الإنجازات الميدانية إلى شروط سياسية على طاولة المفاوضات. أما لبنان، فيقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تحدد ليس فقط مصير الحرب الحالية، بل شكل المرحلة التي ستليها أيضاً.