لطالما سعت الحكومة اللبنانية إلى دفع حزب الله، الميليشيا القوية المدعومة من إيران، للتخلي عن سلاحه. وقبل اندلاع الحرب مع إيران، كانت هناك مؤشرات على إحراز تقدم نحو هذا الهدف.في مطلع هذا العام، بدا أن القادة اللبنانيين يقتربون من أحد أكثر أهدافهم استعصاءً: نزع سلاح حزب الله، التنظيم المدعوم من إيران والذي لطالما عمل كدولة داخل الدولة. لكن هذا المسار الذي كان متردداً وتدريجياً منذ البداية تعثر الآن.
فبعد أكثر من عام من التزامه النسبي بضبط النفس رغم الضربات الإسرائيلية عبر الحدود، عاد حزب الله لاعباً رئيسياً في القتال. ففي مارس، وبعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، شنّ حزب الله هجمات عبر الحدود على إسرائيل تضامناً مع داعمه الإيراني، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين.
وبات لبنان اليوم عالقاً في موقع مألوف. إذ كثّفت إسرائيل حملتها العسكرية ضد حزب الله، ما جعل احتمال تخلي الحزب عن سلاحه أكثر بعداً. وفي المقابل، تراجعت الحكومة اللبنانية، الحذرة من قوة الحزب المستمرة والمثقلة بذكريات الحرب الأهلية، عن فكرة مصادرة ترسانته بالقوة، رغم الضغوط الغربية.
وفي يوم الاثنين، أعلنت الحكومة الإسرائيلية خططاً لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، بينما أعلن حزب الله تنفيذ هجمات جديدة ضد جنود ومستوطنات إسرائيلية، في مشهد يعكس أن وقف إطلاق النار الذي أعلنته إدارة ترامب في أبريل بات موجوداً على الورق فقط.
ومع نزوح مئات آلاف الأشخاص بسبب المعارك واحتلال إسرائيل أجزاءً من جنوب لبنان، يخشى كثير من اللبنانيين أن يؤدي أي صدام بين الحكومة وحزب الله إلى تعميق أزمة البلاد وفتح جراح الماضي.وقال هايكو فيمن، مدير مشروع لبنان في "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي منظمة بحثية: "أي عملية قسرية أو تصادمية من جانب الجيش ستكون معقدة، لأنها تتطلب قراراً غير توافقي، وهذا يتعارض مع طبيعة السياسة اللبنانية". وتشكّل إيران نفسها عقبة إضافية.
فعلى الرغم من تعرضها لضربات قاسية خلال حربين مع إسرائيل والولايات المتحدة في أقل من عام، لا يزال حكام إيران الدينيون المتشددون متمسكين بالسلطة. ويرى محللون أن حزب الله من غير المرجح أن يتخلى عن سلاحه ما لم يتراجع النفوذ الإقليمي الإيراني وقدرته على فرض القوة بشكل ملموس نتيجة الحرب. وقالت لينا الخطيب، الباحثة الزائرة في مبادرة الشرق الأوسط بكلية كينيدي في جامعة هارفارد: "سيضطر لبنان إلى انتظار التغيير في طهران قبل أن يتمكن من طي صفحة تحدي حزب الله للمصلحة الوطنية اللبنانية"
نافذة فُتحت لفترة قصيرة
أدت سلسلة الحروب في الشرق الأوسط، التي بدأت بهجوم "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، إلى إضعاف حلفاء إيران الإقليميين، ومن بينهم حزب الله، الأقوى بينهم.وخلال السنوات الثلاث الماضية، خاضت إسرائيل وحزب الله حربين. وعندما أوقف اتفاق وقف إطلاق نار مدعوم من الولايات المتحدة الحرب الأولى أواخر عام 2024، رأت الحكومات الغربية والعربية، بما فيها الحكومة اللبنانية، فرصة نادرة للسعي أخيراً إلى نزع سلاح حزب الله. وكان الاتفاق ينص على أن يتخلى الحزب تدريجياً عن أسلحته، خصوصاً جنوب نهر الليطاني قرب إسرائيل، مقابل إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
وبدا أن الفكرة اكتسبت زخماً بعد انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة في لبنان مطلع عام 2025، تعهدا بإعطاء أولوية لنزع سلاح حزب الله. وفي أغسطس الماضي، كلّف مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام الجيش بإعداد خطة لتفكيك ترسانة الحزب بحلول نهاية العام.وأثناء مراجعة الحكومة للخطة في سبتمبر، انسحب الوزراء المحسوبون على حزب الله من الجلسة، مكررين موقف الحزب المعتاد بأن نزع سلاحه سيجعل لبنان مكشوفاً أمام إسرائيل. ومع ذلك، استمرت العملية.
فعقد مسؤولون إسرائيليون ولبنانيون لقاءات منتظمة في قاعدة تابعة للأمم المتحدة جنوب لبنان، بوساطة أميركية، لمناقشة التقدم في ملف نزع السلاح. وفي أكتوبر، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن الجيش اللبناني أزال نحو 10 آلاف صاروخ وحوالي 400 قذيفة من الجنوب خلال العام السابق. وفي يناير، أعلن الجيش اللبناني إتمام المرحلة الأولى من إزالة أسلحة حزب الله من المنطقة الواقعة بين الليطاني والحدود الإسرائيلية. ووصفت إسرائيل ذلك بأنه "بداية مشجعة" لكنها "بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية”.
فرصة أُجهضت
لكن كل هذا التقدم توقف في 28 فبراير، عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران. وخلال أيام، بدأ حزب الله إطلاق النار على إسرائيل رداً على ذلك، مؤكداً أنه لا يزال يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع. كما بدا مقاتلوه أكثر قدرة على المناورة، مستخدمين طائرات مسيّرة متفجرة جديدة يصعب اعتراضها.
وردّت إسرائيل بهجوم واسع دمّر أجزاء كبيرة من جنوب لبنان، وقتل مدنيين، ووضع أراضي لبنانية تحت سيطرتها. لكن ذلك لم يضعف إصرار حزب الله، الذي يؤكد أنه لن يتخلى عن سلاحه. وقال المتحدث باسم حزب الله، الحاج يوسف الزين، للصحافيين في مايو: «تفاجأ الإسرائيليون. وتفاجأ الأميركيون. وتفاجأ العالم كله بقدرات المقاومة». وقد وضع هذا الجمود الحكومة اللبنانية في مأزق. ففي مارس، منعت حزب الله من تنفيذ أي نشاط عسكري، لكن القرار بقي بلا فعالية، فيما تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة للحد من نفوذ الحزب بشكل أكثر جدية.
ذكريات الحرب الأهلية
تأسس حزب الله عام 1982، وقدم نفسه بوصفه المدافع الأول عن لبنان في مواجهة إسرائيل، ما رسّخ وجوده على طول الحدود الجنوبية.ولطالما اعتبر قادته أن سلاحه ضروري للدفاع عن البلاد والحفاظ على النفوذ السياسي للطائفة الشيعية، إحدى الطوائف الرئيسية الثلاث في لبنان، والتي تشكل القاعدة الأساسية لدعم الحزب.
ومع مرور الوقت، أصبح حزب الله القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أقوى من الجيش اللبناني نفسه. لكن كثيراً من اللبنانيين باتوا يشعرون بالاستياء من جرّهم إلى حروب مدمّرة متتالية بسبب الحزب. وقالت لينا الخطيب: "لقد احتكر حزب الله التمثيل السياسي للطائفة الشيعية، ويقدّم أي انتقاد له بصيغة طائفية". وأضافت: "وهذا يجعل من الصعب على الدولة اللبنانية مواجهة حزب الله حتى بعد اعتبار الحكومة اللبنانية أن أنشطته العسكرية غير قانونية".
وقبل اندلاع الحرب الحالية، كان الجيش اللبناني متردداً في مداهمة المنازل والمباني الخاصة في الجنوب التي يُشتبه بإخفاء أسلحة للحزب فيها، بحسب مسؤولين إسرائيليين ومسؤول أممي تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية الملف. ويقول خبراء إن مثل هذه المداهمات قد تثير توترات تعيد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً.
وكان رئيس الوزراء نواف سلام قد أشار مراراً إلى اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية ونص على نزع سلاح الميليشيات، قائلاً في مقابلة حديثة: "لقد تأخرنا أكثر من 30 عاماً في نزع سلاح جماعات مثل حزب الله" وتبرز عقبة أخرى أمام نزع السلاح تتمثل في رغبة لبنان بربط هذه الخطوة بانسحاب إسرائيل من الجنوب.وقال ديفيد شينكر، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية: "إذا كانت الحكومة اللبنانية ستتخذ خطوات حقيقية، فإنها سترغب في إظهار شيء للشعب بالمقابل، أي أنها حصلت على مقابل لهذه الخطوات".
لحظة الحقيقة
يشكل ملف نزع سلاح حزب الله محور المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، وهي عملية دبلوماسية نادرة ندد بها كل من حزب الله وإيران.وقد طرح مسؤولون عرب وغربيون، إلى جانب محللين إقليميين، خططاً مختلفة، بينها إنشاء لجنة دولية مستقلة، على غرار عملية المصالحة في إيرلندا الشمالية، للإشراف على نزع السلاح الكامل.
وفي نيسان، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة تعمل على تمكين "وحدات مدققة" داخل الجيش اللبناني لاستهداف حزب الله "حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك". كما اقترح آخرون استخدام المساعدات المالية الأجنبية كورقة ضغط لدفع الحكومة اللبنانية نحو تنفيذ نزع السلاح.
لكن مواجهة حزب الله تبدو بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة للجيش اللبناني، الذي يفتقر إلى العدد الكافي من العناصر والمعدات والتدريب، كما لا يزال من غير الواضح من سيمول ذلك. أما دول الخليج التي قد تدعم مشروعاً مماثلاً، فقد أثقلت الحرب الإقليمية كاهلها، فيما لم ينفذ لبنان الإصلاحات المالية المطلوبة للحصول على مساعدات دولية.
وفي ايار، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تسعة أشخاص، بينهم أعضاء في الجيش اللبناني وأجهزة الاستخبارات، متهمةً إياهم، من بين أمور أخرى، بعرقلة نزع سلاح حزب الله. وقال هايكو فيمن من "مجموعة الأزمات الدولية": "لبنان يواجه لحظة حقيقة. وما إذا كان سيؤجل أو يؤخر حسم مسألة نزع السلاح، أو الطريقة التي سيتعامل بها معها، سيحدد ما ينتظر البلاد لاحقاً".
(الترجمة عن New York Times)