القائمة
05:30 31 أيار 2026

لدى أوكرانيا استراتيجية حرب جديدة… ويبدو أنها تنجح

دولية

قبل عام، قررت الحكومة الأوكرانية نقل المعركة مباشرة إلى داخل روسيا، ومنذ ذلك الحين لم تتراجع.

قبل عام، أعلن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي استراتيجية تقوم على “إعادة الحرب إلى روسيا”. وقال زيلينسكي في آذار 2025: “الحرب جاءت من روسيا، وإلى روسيا يجب أن تعود. هم من يجب أن يُجبروا على السلام، وهم من يجب الضغط عليهم لضمان الأمن”.

ومنذ ذلك الحين، وبوتيرة متصاعدة هذا العام، تتبع أوكرانيا سياسة “التحييد الاستراتيجي” للأصول الروسية. وهذا يعني تقليص الهجمات البرية المكلفة بشرياً لاستعادة الأراضي المحتلة، والتي استنزفت أوكرانيا من حيث الأرواح والموارد، مقابل اعتماد حرب بعيدة المدى وغير تقليدية تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الروسي، وضرب مصانع السلاح، والتأثير على معنويات المدنيين الروس. وتشير التطورات هذا الربيع إلى أن هذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها، وربما تغيّر معادلات الحرب في عامها الخامس.

فبشكل شبه يومي، تتسبب القدرات التسليحية الأوكرانية الجديدة، وخاصة الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة عالية الدقة، بأضرار واسعة في البنية التحتية للطاقة، ومصانع الأسلحة والمتفجرات، ومراكز القيادة والإمداد العسكرية داخل روسيا. وعلى الجبهة الداخلية، تعتمد أوكرانيا استراتيجية دفاعية تؤدي، بحسب مصادر أوكرانية، إلى قتل أو إصابة نحو 35 ألف جندي روسي شهرياً، ما يرفع بعض التقديرات لإجمالي قتلى الجيش الروسي إلى 352 ألف عنصر.

وبحسب المؤرخ أولف برونباور جامعة ريغنسبورغ ، فإن هدف أوكرانيا هو إظهار قدرتها على الصمود أمام داعميها الغربيين، وإثبات أنها قادرة فعلاً على إلحاق الضرر بروسيا، ما يعزز فرص استمرار الدعم الغربي لها ويقوي موقع كييف في أي مفاوضات سلام مستقبلية.

وتُعدّ مصافي النفط الروسية المشتعلة دليلاً واضحاً على نجاح أوكرانيا في ضرب الشريان الاقتصادي الأهم لموسكو. ففي نيسان الجاري، استهدفت القوات الأوكرانية 20 مصفاة ومنشأة تصدير نفطية. وأظهرت الصور المتداولة للهجوم بطائرات مسيّرة على مصفاة “توابسي” على البحر الأسود في 28 نيسان حجم التأثير، حيث تصاعد دخان أسود كثيف لأسابيع وغطى أكثر من 300 كيلومتر من جنوب روسيا، بما في ذلك ثلاث مدن.

وقد وصلت بعض الضربات إلى أهداف تبعد 1750 كيلومتراً عن أوكرانيا، أي أبعد بمرتين ونصف من المدى الذي كانت تمتلكه كييف قبل أربع سنوات. وتسببت هذه الهجمات بحرمان روسيا من الاستفادة الكاملة من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب مع إيران.

ووفقاً للجزيرة  ، نجحت أوكرانيا في منع روسيا من تحقيق الأرباح الضخمة التي كانت تعوّل عليها من صادرات النفط، خاصة بعد تخفيف بعض العقوبات الأميركية في سياق أزمة الطاقة والحرب الإيرانية. وأشارت الشبكة إلى أن حملة الضربات الأوكرانية على الموانئ والبنية النفطية الروسية جاءت “في محاولة محسوبة لمنع روسيا من تحميل النفط على الناقلات”. وبمعنى آخر، وجدت أوكرانيا طريقة لإبطال مفاعيل سياسة أميركية كانت تبدو في البداية مدمّرة لها.

وفي آذار، تراجعت صادرات النفط الروسية المنقولة بحراً بنحو 300 ألف برميل يومياً، جزئياً بسبب الضربات الأوكرانية على المصافي. كما أفادت "بلومبرغ" بأن متوسط إنتاج المصافي الروسية انخفض في نيسان إلى 4.69 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ كانون الأول 2009.

أما الضربات التي تستهدف المنشآت العسكرية، مثل أنظمة الدفاع الجوي والمطارات ومصانع السلاح، فتبدو أيضاً مؤثرة على سير الحرب البرية داخل أوكرانيا، وهو الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة لكييف. فقد تباطأ التقدم الروسي على الجبهة إلى حد كبير، بل إن القوات الروسية تكبدت خسارة صافية في الأراضي خلال نيسان للمرة الأولى منذ آب 2024، وفقاً لـ معهد دراسة الحرب وبالتالي، تبدو الهجمة الروسية الربيعية حتى الآن فاشلة.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وصلت قدرات أوكرانيا الهجومية إلى عمق الداخل الروسي، مستهدفة قطاع الصناعات العسكرية في مناطق كانت تُعتبر محصّنة لقربها من موسكو. فقد ضربت الطائرات المسيّرة مصنع “أنغستريم ميكروإلكترونيكس” في زيلينوغراد، أحد أبرز مراكز صناعة أشباه الموصلات الروسية، كما ألحقت أضراراً بمركز “MKB Raduga” في دوبنا، وهو مركز رئيسي لبرنامج الصواريخ المجنحة الروسي، ويقع على بعد 80 ميلاً فقط شمال موسكو.

وقال جورج باروس، المحلل في معهد دراسة الحرب: “هذه الاستراتيجية تدور بالكامل حول ساحة المعركة في أوكرانيا. الهدف هو منع روسيا من السيطرة على دونباس وإجبارها على الدخول في مفاوضات تستطيع أوكرانيا التحكم بمسارها”.

وأضاف باروس أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يتصرف حتى الآن وكأن ارتفاع الكلفة لا يهم طالما أن روسيا تواصل تحقيق المكاسب، معتمداً على فكرة أن موسكو ستصمد أكثر من الغرب وتنتصر في النهاية. إلا أن روسيا، بحسب باروس، بدأت الآن تُظهر علامات تراجع غير مسبوقة.

وتبدو مؤشرات القلق الروسي واضحة، وربما أبرزها دعوة بوتين إلى وقف إطلاق النار في 9 أيار، خلال احتفالات “عيد النصر” الروسي الذي يحيي انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. فقد ناشد بوتين أوكرانيا عدم استهداف الاحتفالات، بينما خلت العروض العسكرية هذا العام من المعدات القتالية الثقيلة، في إقرار ضمني بقدرة أوكرانيا على ضرب حدث جماهيري كبير في قلب موسكو.

ووفقاً لـ "موسكو تايمز"، يعيد الكرملين النظر في أهداف الحرب والرواية التي يقدّمها للروس حول ما يسميه “العملية العسكرية الخاصة”، عبر تقليل أهمية الحرب إعلامياً. كما يستعد المسؤولون الروس لتقديم أي اتفاق سلام محتمل على أنه “انتصار”، مع التركيز على الاحتفاظ بالمناطق المحتلة في شرق وجنوب أوكرانيا بدلاً من الحديث عن السيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية أو العاصمة كييف.

وهناك أيضاً مؤشرات إلى تململ داخل الدوائر السياسية الروسية بسبب الكلفة المرتفعة للحرب. فقد بدأ مسؤولون كبار، بحسب الصحيفة، يطرحون علناً تساؤلات حول جدوى استمرارها، معتبرين أن السيطرة الكاملة على دونباس تتطلب اقتصاد حرب شاملاً وتعبئة عامة، ما قد يستنزف موارد روسيا ويدفع اقتصادها نحو الانهيار ويُسرّع أزمة التراجع السكاني.

وتنعكس هذه الانتكاسات تدريجياً على الرأي العام الروسي، الذي كان يدعم الحرب إلى حد كبير حتى الآن. فرغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 73% من الروس ما زالوا يؤيدون أداء بوتين، فإن هذه النسبة هي الأدنى منذ شباط 2022، وفقاً لـ مؤسسة الرأي العام.

معظم الخبراء لا يعتقدون أن أوكرانيا تراهن على انتفاضة داخلية تُسقط بوتين، نظراً إلى القبضة الأمنية الصارمة للدولة الروسية. ولضمان ذلك، شدد بوتين الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها تطبيق “تلغرام”، الذي يشكل مصدراً إعلامياً رئيسياً لكثير من الروس.

ويقول باروس: “الرأي العام مهم للكرملين اليوم بطريقة لم يكن عليها خلال الحرب الباردة. لقد فوجئنا بحجم القرارات العسكرية المشكوك بجدواها التي اتخذها بوتين فقط للحفاظ على استقرار النظام وتقليل السخط الداخلي”.

وأكد فيدير سيرديوك، مستشار وزارة الدفاع الأوكرانية، أن القدرات الهجومية بعيدة المدى ليست “الورقة الوحيدة” التي تملكها أوكرانيا حالياً، في رد غير مباشر على تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن أوكرانيا “لا تملك أوراقاً رابحة” للفوز بالحرب.

وأوضح سيرديوك أن أوكرانيا تعتمد أيضاً على زوارق مسيّرة متطورة وأنظمة استشعار للتحكم بالبحر الأسود، إضافة إلى ملايين الطائرات الصغيرة المستخدمة في الاستطلاع والهجوم، فضلاً عن تطور كبير في تقنيات الاستخبارات. كما أشار إلى عمليات خاصة متقدمة مثل “عملية شبكة العنكبوت” في حزيران 2025، وهي هجوم سري بطائرات مسيّرة داخل روسيا أدى إلى تدمير جزء مهم من أسطول القاذفات الاستراتيجية الروسية، بما فيها طائرات “Tu-95” و”Tu-22M”.

أما المؤرخ برونباور، فرأى أن أوكرانيا لا تعتقد أنها قادرة على طرد الروس بالكامل، على الأقل في المدى القريب أو المتوسط. لكنه أضاف: “ما تحاول أوكرانيا إظهاره للعالم ولشعبها وحتى للروس الذين يريدون أن يعرفوا الحقيقة، هو أن الوقت ليس بالضرورة في مصلحة روسيا، وأنها قادرة على الصمود حتى من دون دعم أميركي كبير”.

 

(الترجمة عن Foreign policy )