القائمة
10:33 29 أيار 2026

مانشيت | توسّع الاجتياح يعزل الجنوب.. وبري: اسقاط الحكومة يخدم العدو والرهان على المسار الايراني

لبنان

لم تعد الحرب في جنوب لبنان مجرّد جولات نار متقطّعة، ولا عاد التصعيد الإسرائيلي مجرّد ردّ عسكري على هجمات أو مسيّرات. ما يجري قبل ساعات من انطلاق المفاوضات الأمنيّة في البنتاغون يبدو أقرب إلى عمليّة إعادة رسم للخريطة بالقوّة، وتثبيت لوقائع ميدانيّة تريدها تل أبيب أساسًا لأيّ تفاوض مقبل. 

إسرائيل لا تذهب إلى واشنطن للبحث عن تهدئة بقدر ما تحاول الذهاب إليها وقد فرضت “نسخة جديدة” من الجنوب اللبناني: خطوط تماس مختلفة، هامش حركة أوسع، وحقّ استباحة أمنيّة يمتدّ من الشويفات إلى ما بعد الليطاني.

كلام بنيامين نتنياهو بأنّ الجيش الإسرائيلي “ضرب بيروت بعد صور وعبر الليطاني”، ليس تفصيلًا دعائيًا. إنّه إعلان سياسي مباشر بأنّ تل أبيب تعتبر أنّ قواعد الاشتباك القديمة انتهت، وأنّ الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها: فرض السلام الإسرائيلي بالنار. 

الشويفات: سقوط “الفيتو” على الضاحية

الغارة على الشويفات لم تكن عمليّة أمنيّة عاديّة، بل تحوّلًا كاملًا في طبيعة المعركة. فالحدث الأهمّ ليس اسم المستهدف فقط، بل قدرة إسرائيل على العودة إلى الضاحية ومحيطها بعد أسابيع من التجميد الأميركي لهذا المسار. 

وفق المعطيات المتداولة في الإعلام العبري، جرى تنسيق واسع مع واشنطن خلال الأيام الماضية لتحديد “الهامش المسموح” داخل بيروت، ما يعني أنّ إدارة دونالد ترامب لا تمنح إسرائيل ضوءًا أخضر مفتوحًا، لكنها تسمح بعمليات “جراحية” محسوبة تستهدف الكوادر والقيادات التقنية بدل سياسة تدمير الأبنية والأحياء. 

هذا التحوّل يكشف أنّ تل أبيب باتت ترى أنّ المشكلة لم تعد فقط في الصواريخ الثقيلة، بل في “العقول التشغيلية” التي تدير المسيّرات، وتربط الجبهات، وتطوّر أنماط القتال الجديدة.

المسيّرات تربك إسرائيل

داخل المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة يتصاعد القلق بصورة غير مسبوقة من سلاح المسيّرات الانتحارية. التحذيرات التي نشرتها “معاريف” حول احتمال انتقال هذا التهديد إلى الضفّة وغزّة وحتى الداخل الإسرائيلي تعكس حجم الأزمة الحقيقيّة داخل الجيش الإسرائيلي. 

إسرائيل التي بنت تفوّقها العسكري على القصف الجوّي والتكنولوجيا الثقيلة، تجد نفسها أمام سلاح منخفض الكلفة، سريع الحركة، ويملك قدرة على إرباك الجبهة الداخليّة والمنظومات الدفاعيّة معًا.

لهذا السبب تحديدًا، تكثّفت في الساعات الماضية عمليّات اغتيال الكوادر التقنيّة المرتبطة بوحدات الصواريخ والمسيّرات، بالتوازي مع ضربات استهدفت شخصيات مرتبطة بحركة حماس، في محاولة واضحة لقطع مسارات التنسيق العملياتي بين الساحات المختلفة. 

الجنوب: اجتياح تدريجي لا حرب محدودة

على الأرض، تبدو إسرائيل وكأنّها انتقلت فعليًا إلى “المرحلة الثالثة” من الحرب. لم يعد الأمر محصورًا بضربات حدوديّة أو عمليات موضعية، بل هناك قضم جغرافي متدرّج يتجاوز “الخط الأصفر” القديم، مع توسيع دائرة النار نحو النبطية، الزهراني، إقليم التفاح، وحتى تخوم صيدا. 

الأخطر أنّ الضغط العسكري لم يعد يهدف فقط إلى إنهاك حزب الله، بل إلى خلق واقع ديموغرافي وأمني جديد عبر موجات نزوح متتالية، وعزل الجنوب عن عمقه اللبناني تدريجيًا. 

أمّا معركة الشقيف – أرنون، فتبدو الأكثر حساسية. السيطرة على هذا المحور تمنح إسرائيل إشرافًا مباشرًا على الليطاني وخطوط الإمداد بين الجنوب والبقاع الغربي، ما يعني عمليًا تحويل الجنوب إلى منطقة مكشوفة بالكامل أمام الجيش الإسرائيلي. 

البنتاغون: تفاوض تحت النار

وسط هذا التصعيد، يدخل الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى مفاوضات البنتاغون. لكنّ المشهد واضح: إسرائيل تدخل من موقع المتقدّم ميدانيًا، فيما يدخل لبنان بلا أوراق ضغط فعلية. 

الوفد اللبناني سيطرح، وفق المعطيات، مطلب وقف إطلاق النار بشكل نهائي وشامل، لكنّ المؤشرات كلّها توحي بأنّ تل أبيب غير معنيّة أصلًا بوقف الحرب الآن، بل تريد استخدام المفاوضات لتثبيت حقّها بحرية الحركة العسكريّة داخل لبنان. 

الأوساط القريبة من بعبدا تحاول تقديم الاجتماع بوصفه “تقنيًا”، لكنّ المخاوف الحقيقيّة داخل لبنان تتعلّق بإمكانية تحوّل الجلسة إلى مساءلة مباشرة للدولة والجيش حول ملف سلاح حزب الله، ولماذا لم تُنفّذ الحكومة خطّتها المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة. 

حزب الله يلوّح… وبرّي يضبط الإيقاع

في الداخل، لا يبدو المشهد أقلّ تعقيدًا. تصعيد امين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم ضد الحكومة والتلويح بورقة الشارع جاء في توقيت بالغ الحساسية، خصوصًا مع الضغوط الأميركيّة المتصاعدة على مؤسسات مرتبطة بالحزب كـ ”القرض الحسن”. 

لكنّ المعلومات، التي حصلت عليها "كواليس"، تشير بوضوح إلى أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي لا يريد الذهاب إلى مواجهة داخلية أو إسقاط الحكومة، بل يعمل على منع انهيار التسوية الداخلية بالكامل. لذلك جاء البيان المشترك بين حركة أمل وحزب الله ليعيد التركيز على “الوحدة الوطنية” بدل فتح معركة داخلية جديدة. 

برّي يدرك أنّ أيّ فراغ حكومي الآن سيمنح إسرائيل فرصة أكبر لفرض شروطها، لكنه في الوقت نفسه لا يبدو مقتنعًا بأنّ المسار التفاوضي الحالي قادر وحده على وقف الحرب أو ضبط الاندفاعة الإسرائيلية. لذلك يبقى رهانه الأساسي على مسار التفاوض الأميركي – الإيراني، باعتباره المسار الوحيد القادر على إنتاج تفاهمات إقليمية أوسع تنعكس على لبنان. 

إسرائيل تريد “سلامًا أمنيًا”

حين تتحدّث تل أبيب عن “السلام مع لبنان”، فهي لا تتحدّث عن تسوية سياسية تقليدية، بل عن نموذج أمني جديد: جنوب منزوع القدرة العسكرية، حرية حركة إسرائيلية كاملة، ودولة لبنانية عاجزة عن حماية معادلات الردع القديمة. 

لهذا تبدو المفاوضات المقبلة أخطر من مجرّد نقاش عسكري. إنّها معركة على شكل لبنان المقبل، وحدود الدولة، ومعنى السيادة نفسها.

فالخط الأصفر الذي كان يومًا حدًا عسكريًا واضحًا، لم يعد اليوم سوى خطّ متحرّك ترسمه الدبابات والغارات والاغتيالات.