رأى كميّ عمّون الباحث غير المقيم في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط في حديث خاص لـ"كواليس"، أن تغيّر المناخ في لبنان لا يمكن فصله عن الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها البلد، معتبراً أن كل هذه العوامل تتقاطع لتدفع السكان نحو النزوح أو الهجرة.
كلام عمّون جاء على خلفية نشر المركز مجموعة مقالات جديدة بعنوان The Convergence Trap: Climate, Governance, and Displacement in Vulnerable Communities Across the Middle East and North Africa، والتي تبحث في كيفية تداخل الضغوط المناخية مع الصراعات والتهميش وضعف الحوكمة في إعادة تشكيل أنماط التنقل والهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويضم الاصدار دراسات حالة من دول عدة مثل لبنان، والمغرب، والجزائر، والأردن، والعراق، واليمن، والكويت، وتركّز على مجتمعات “لا يُسلّط الضوء عليها عادةً” في النقاشات السياسية والإعلامية المتعلقة بالمناخ والهجرة.
وأوضح عمّون في حديثه ل"كواليس" أن دراسة الحالة الخاصة بلبنان ركّزت على منطقة البقاع، ولا سيما محيط بحيرة القرعون، باعتبارها نموذجاً واضحاً لتداخل الأزمات. وقال إن الجفاف والتغيّر المناخي ليسا العامل الوحيد الذي يدفع الناس إلى مغادرة مناطقهم، “بل هناك أيضاً تلوث المياه، والحوكمة، والفساد، والفقر، والأزمة الاقتصادية، إضافة إلى حربي 2024 و2026، وكلها عوامل تدفع الناس إلى التنقل داخل المنطقة أو الهجرة إلى الخارج أو إلى المدن”.
وأضاف أن ما لفت فريق البحث هو أن الفئات الأكثر فقراً وتضرراً غالباً ما تكون الأقل قدرة على الهجرة، قائلاً إن “الناس الأكثر تأثراً بالأزمات هم الذين لا يستطيعون المغادرة، فيبقون في مناطقهم رغم التدهور البيئي والاقتصادي والأمني”.
وعن اختيار بحيرة القرعون كنموذج أساسي في الدراسة، أوضح عمّون أن البحيرة شكّلت صورة بصرية واضحة للأزمة، خصوصاً خلال جفاف عام 2025، حين انخفض منسوب المياه بشكل حاد. وأشار إلى أن صور الأقمار الصناعية بين عامي 2024 و2025 أظهرت بشكل واضح حجم التراجع المائي، ما جعل المنطقة نقطة انطلاق لفهم تداخل الأزمات في لبنان.
وأكد أن وضع البحيرة لا يرتبط فقط بالجفاف، بل أيضاً بالتلوث المتراكم منذ سنوات، لافتاً إلى أن بعض السياسات ساهمت أخيراً في تحسين محدود للوضع البيئي، “لكن البحيرة والأنهر في لبنان لا تزال ملوثة بشكل عام”. واعتبر عمّون أن الخطر لا يقتصر على الجانب البيئي، بل يمتد إلى الأمن المائي والصحي والزراعي، لأن المياه الملوثة تؤثر على الشرب والري معاً، مؤكداً أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكم طويل من الإهمال وضعف الإدارة.
وقال لـ"كواليس": “أكيد هناك إهمال طويل، لكن لا يوجد شيء لا يمكن تحسينه إذا وُجدت حوكمة سليمة وسياسات تنظر إلى كل الأزمات معاً، لا إلى كل أزمة بشكل منفصل”. وشدد على أن مفهوم “تقاطع الأزمات” أو “Convergence” هو الفكرة الأساسية في الدراسة، إذ لا يمكن معالجة التلوث وحده أو الجفاف وحده بمعزل عن الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
وعن إمكانية إعادة بحيرة القرعون إلى ما كانت عليه سابقاً، رأى عمّون أن الحلول ممكنة لكنها معقدة، وتتطلب معالجة التلوث وتحسين الإدارة العامة والتعامل مع الانهيار الاقتصادي والفساد، إضافة إلى التكيّف مع تغيّر المناخ الذي وصفه بأنه “العامل الأصعب”.
وختم حديثه لـ"كواليس" بالتأكيد أن تغيّر المناخ بات واقعاً طويل الأمد، ما يفرض اعتماد سياسات تكيّف جديدة، مثل تطوير تقنيات الري وترشيد استخدام المياه، مضيفاً: “قد لا نستطيع عكس تأثيرات التغيّر المناخي بالكامل، لكن يمكننا تحسين بقية الأزمات إذا توفرت الإرادة والسياسات الصحيحة”.
بحيرة القرعون وضغوط الهجرة
تنشر "كواليس" الدراسة التي قام بها عمّون عن بحيرة القرعون تحت عنوان
“Lake Qaraoun and Migratory Pressures”
مترجمة عن الانكليزية
نادراً ما يكون تغيّر المناخ العامل الوحيد الذي يدفع الضغوط المرتبطة بالهجرة في المجتمعات الهشّة. فالإخفاقات في الحوكمة، والتلوث، والأزمات الاقتصادية، والصراعات، غالباً ما تتداخل مع تأثيرات المناخ بطرق يصعب فصلها عن بعضها بشكل متزايد. ويقدّم حوض الليطاني في لبنان مثالاً صارخاً على كيفية تلاقي هذه العوامل لتشكيل أنماط التنقل والهجرة.
ينبع نهر الليطاني قرب بعلبك، ويتدفق عبر سهل البقاع، قبل أن ينعطف غرباً نحو البحر الأبيض المتوسط حيث يصب شمال مدينة صور. ويشقّ النهر واحدة من أكثر المناطق خصوبة في المشرق، مكوّناً حوضاً على شكل حرف “L” معكوس، يُعدّ أساسياً للزراعة وأنظمة المياه في لبنان. وفي قلب هذا الحوض يقع سد ألبرت نقاش، الذي يشكّل بحيرة القرعون، أكبر خزان مائي في البلاد. وقد بُني السد عام 1959 بهدف دعم الري وتوليد الطاقة الكهرومائية وتأمين مياه الشرب.
في هذه المنطقة الريفية من البقاع، تتداخل اليوم أزمات متعددة، تشمل موجات الجفاف المتكررة، وتلوّث المياه، والتداعيات البيئية للفساد المستشري، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي على المستوى الوطني في لبنان. كما عانت المنطقة بشدة من القصف خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، وكذلك خلال النزاع الأخير عام 2026. وقد أعادت هذه الضغوط المركّبة تشكيل سبل العيش وضيّقت نطاق خيارات التكيّف المتاحة للمجتمعات المحيطة بالبحيرة، بما في ذلك قدرتها على التنقل أو البقاء.
مع ذلك، يصعب قياس ضغوط الهجرة بشكل دقيق، بسبب محدودية البيانات المتعلقة بالبقاع الغربي، ولأن تحركات السكان تتم بشكل تدريجي ومتداخل. فالمنطقة تتميز بأنماط تنقل متراكبة تشمل الهجرة البطيئة للسكان المحليين، والتحركات المتبدلة للاجئين السوريين، واليوم النزوح الجماعي الناتج عن استمرار النزاع اللبناني.
في صيف عام 2025، شهد لبنان أشد موجة جفاف في تاريخه، بعد واحد من أكثر فصول الشتاء جفافاً خلال أربعين عاماً. فقد انخفض معدل الأمطار إلى أكثر من النصف، فيما أدى تراجع الغطاء الثلجي وذوبانه المبكر إلى تقليص إضافي في توافر المياه. وكان البقاع من أكثر المناطق تضرراً، إذ جفّ نحو ربع الآبار واستنزفت الينابيع. كما سجّلت بحيرة القرعون أدنى مستوى تدفّق للمياه منذ إنشاء السد، حيث انخفض إلى 45 مليون متر مكعب فقط، مقارنة بالمعدل السنوي البالغ 350 مليون متر مكعب. وقد أدى ذلك إلى ظهور جسر سغبين الغارق منذ القرن الثامن عشر مجدداً، كمؤشر واضح على الإجهاد المائي. وكان الجسر قد ظهر أيضاً خلال جفاف عام 2014.
ويُنظر إلى الجفاف والتصحّر على نطاق واسع باعتبارهما من أبرز العوامل الدافعة للهجرة. وبعد جفاف 2025 في البقاع، اضطر 15 في المئة من المزارعين إلى التخلي عن محاصيلهم. وقال أحد مزارعي البطاطا في المنطقة: “نحن متمسكون لأن هذه أرضنا، ولا نريد مغادرتها… لكن إلى متى؟”.
وقد فاقم جفاف 2025 هشاشة مختلف القطاعات، مع تأثيرات متسلسلة على المجتمعات المحلية. فتراجع الإنتاج الزراعي أضعف الأمن الغذائي المتدهور أصلاً، بينما أدت خسائر الثروة الحيوانية وانخفاض المحاصيل إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتعميق الفقر الريفي. كما ساهم الارتفاع الحاد في أسعار التبن وأعلاف الحيوانات في زيادة أسعار اللحوم ومنتجات الألبان، ما زاد الضغط على ميزانيات الأسر. وفي الوقت نفسه، أدى انخفاض القدرة على توليد الطاقة الكهرومائية إلى تقييد إمدادات الطاقة، فيما ساهمت ندرة المياه المتزايدة في تصاعد التوترات الاجتماعية. واندلعت احتجاجات وخلافات وأحياناً أعمال عنف نتيجة التنافس المتزايد على الوصول غير المتكافئ إلى المياه.
وفي موازاة ذلك، تواجه بحيرة القرعون تدهوراً بيئياً حاداً. فقد جعلت مياه الصرف الصحي غير المعالجة، والنفايات الصناعية، والجريان الزراعي، والنفايات الصلبة، أجزاء واسعة من البحيرة غير آمنة. وأدت التركيزات العالية للبكتيريا والملوثات العضوية والمعادن السامة إلى الحد من استخدام المياه حتى لأغراض الري. وفي عام 2021، نفق أكثر من 100 طن من الأسماك في البحيرة، في مؤشر على حجم الانهيار البيئي في الحوض.
وقد ضاعف التلوث آثار الجفاف، عبر تقليص المداخيل وتدهور ظروف المعيشة، وتفاقم المشكلات الصحية العامة، وتحوله إلى عامل مضاعف لضغوط الهجرة على المجتمعات المتضررة.
ويعود التلوث في حوض نهر الليطاني إلى إخفاقات بنيوية في الحوكمة سمحت باستمرار التلوث رغم المحاولات المتكررة للمعالجة. فالمسؤوليات المتشظية، وضعف تطبيق القوانين، ونقص الاستثمار المزمن، والفساد المستشري، كلها عوامل أضعفت المساءلة وأخّرت المشاريع، وسمحت بسوء استخدام الأموال، وضمنت سيطرة أصحاب المصالح الخاصة على المشاريع. وكما أشار المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علّاوية: “المشكلة الأساسية هي إعطاء الأولوية للمصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة”.
ومن خلال تعميق الضغوط البيئية في المجتمعات الهشّة أصلاً، تسهم إخفاقات الحوكمة بشكل مباشر في تشكيل ضغوط الهجرة داخل مجتمعات الحوض.
وقد تفاقمت هذه الهشاشة المؤسسية أكثر بفعل الانهيار الاقتصادي في لبنان. فمنذ عام 2019، أدى الانخفاض الحاد في قيمة الليرة اللبنانية إلى ارتفاع كلفة مستلزمات الزراعة مثل الوقود والأسمدة والبذور والمبيدات، ما دفع العديد من المزارعين إلى العودة إلى الزراعة المعيشية وزاد من معدلات الفقر. كما أصبح الوصول إلى القروض مستحيلاً بسبب انهيار القطاع المصرفي. ونتيجة لذلك، تغيّرت أنماط الهجرة، حيث بدأ الشباب بالبحث عن فرص عمل في الخارج أو الانتقال إلى المدن، ما أضعف أكثر القاعدة الإنتاجية في البقاع.
كما زادت الحروب من حدة هذه الضغوط البنيوية. فخلال حرب 2024 بين حزب الله وإسرائيل، أجبرت الغارات الجوية ونداءات الإخلاء نحو 1.2 مليون شخص على مغادرة منازلهم في البقاع وجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت. ويتكرر المشهد نفسه مجدداً في عام 2026. ففي 4 نيسان، تعرض محيط بحيرة القرعون لسلسلة غارات، وقُصفت بلدات مثل سحمر ويوحمر ومشغرة من قبل الطائرات الإسرائيلية، كما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على بعد 400 متر من سد ألبرت نقاش.
وفي حين عطّلت حرب 2024 القطاع الزراعي من خلال تقييد الوصول إلى الأراضي، وإلحاق الأضرار بالمحاصيل والممتلكات، وتهجير المزارعين، وقطع سلاسل الإمداد واليد العاملة، فمن المرجّح أن تؤدي حرب 2026 إلى نتائج مشابهة، إن لم تكن أكثر خطورة.
ورغم أن تغيّر المناخ، والإخفاقات في الحوكمة، والتلوث، والانهيار الاقتصادي، والحرب، كلها عوامل تسهم في ضغوط الهجرة، فإن تأثيراتها متشابكة إلى درجة تجعل من محاولة عزل عامل واحد فقط أمراً مضللاً لفهم الديناميات القائمة. فهذه الضغوط بات يُنظر إليها بشكل متزايد كنتيجة لتركيبات معقّدة من العوامل المتداخلة والمتفاعلة، لا كنتيجة لسبب جذري واحد واضح.
ولا توجد حلول سهلة لهذا المستوى من التعقيد، الذي يعكس بدوره “أزمة متعددة الأبعاد” عالمية، خصوصاً عندما يضاف إليها عامل النزاع. لكن حالة بحيرة القرعون، حيث تتقاطع كل هذه الأزمات، تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في فصل هذه الضغوط عن بعضها، بل في فهم كيفية تعزيزها المتبادل، وتصميم سياسات قادرة على إدارة هذا التداخل.
ويتطلب ذلك تجاوز المقاربات القطاعية المجزأة، والانتقال نحو استراتيجيات متكاملة تربط بين المناخ والمياه والزراعة والاقتصاد والفساد، مع التحول من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى حوكمة استباقية تدمج قضايا التنقل والهجرة ضمن استراتيجيات التكيّف.