تأتي تصريحات الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان ايف لودريان في لحظة سياسية حساسة، لا تقتصر على توصيف خطورة الوضع في لبنان، بل تعكس أيضاً محاولة فرنسية متجددة لإعادة تثبيت موقع باريس داخل مسار التفاوض المتعلق بالجنوب اللبناني.
تحدث لودريان عن لبنان باعتباره في "وضع خطير" على صعيد وحدة أراضيه وسلامته، في ظل انقسام داخلي حول حزب الله وإسرائيل، وتداخل اسرائيل في الجنوب مع نشاط الحزب. لكنه في الوقت نفسه رحّب باستمرار الهدنة وفتح نافذة 45 يوماً للحوار، ما يعكس قراءة فرنسية تعتبر أن المرحلة الحالية هي فرصة تفاوضية وليست مجرد وقف نار مؤقت.
هذا الطرح لا يمكن فصله عن المسار الفرنسي السابق الذي حاولت من خلاله باريس أن تكون لاعباً مباشراً في أي تفاوض لبناني–إسرائيلي. وفي وقت كانت فيه باريس أو قبرص قد طُرحتا في بدايات المسار كخيارات محتملة لاستضافة هذه المحادثات، بحسب ما رصدته قنوات إخبارية لبنانية مثل MTV وقناة “الجديد” في تقارير حملت عنوان “باريس وقبرص على خط الوساطة بين لبنان وإسرائيل”، في إطار كواليس هذا التنافس الجغرافي في بدايات المسار، قبل أن يتدخل الجانب الأميركي وينقل المطبخ التفاوضي بالكامل إلى واشنطن (وزارة الخارجية والبنتاغون) نظراً للفيتو الإسرائيلي على الدور الفرنسي، قبل أن يستقر الأمر عملياً على مسار مختلف يتمثل في انتقال إدارة التفاوض من فكرة الوساطة أو الاستضافة الأوروبية إلى مسار ترعاه الولايات المتحدة بشكل أساسي، بحيث تتولى واشنطن ضبط الإطار العام للتواصل بين لبنان وإسرائيل، ما جعل الدور الأوروبي يتحول إلى دور داعم من الخارج بدل أن يكون محورياً في إدارة التفاوض.
كما أن باريس حاولت أيضاً تعزيز حضورها عبر البعد الأمني الدولي، من خلال الدفع نحو تثبيت دور أوروبي أوسع داخل الجنوب عبر قوات اليونيفل، مع محاولة تطوير دورها من مجرد مشاركة في القوة الدولية إلى تأثير سياسي وأمني أكبر داخل ترتيبات الجنوب. إلا أن هذا التوجه لم يترجم عملياً إلى تغيير في قواعد العمل أو الصلاحيات، إذ بقيت مهمة القوة محصورة بالإطار الأممي التقليدي في المراقبة وتثبيت الاستقرار، بينما ظل القرار الفعلي في إدارة التهدئة والتصعيد والتفاوض مرتبطاً بالتوازنات الميدانية وبالمسار الذي تقوده الولايات المتحدة، وسط معطى إضافي يتمثل بأن تفويض اليونيفل الحالي ينتهي مع نهاية العام الجاري، ما يضيف عنصر ضغط إضافي على مستقبل دورها في الجنوب.
في المقابل، يتقدم الدور الأميركي بوصفه الطرف الأكثر قدرة على إدارة مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ما جعل فرنسا تجد نفسها خارج مركز القرار، وتتحرك ضمن هامش ضيق بين الدبلوماسية التقليدية ومحاولة إعادة التموضع داخل أي تسوية قادمة.
من هنا، يمكن قراءة تصريحات لودريان الأخيرة كجزء من محاولة سياسية فرنسية لإعادة الدخول إلى المشهد عبر التشديد على خطورة الوضع وضرورة استمرار المحادثات، أي الدفع باتجاه إبقاء الباب مفتوحاً أمام دور فرنسي لاحق، سواء عبر المسار السياسي أو عبر أي ترتيبات دولية في الجنوب.
وبهذا المعنى، لا تبدو مواقف باريس مجرد توصيف للوضع في لبنان، بل تعبيراً عن مسعى مستمر لاستعادة موقع داخل معادلة التفاوض، في ظل مشهد إقليمي تتحرك فيه واشنطن بثقل أكبر، بينما تحاول أوروبا، وفرنسا تحديداً، منع تهميش دورها في أي تسوية مقبلة.