لم يعد مأزق لبنان محصورًا بالحرب المفتوحة جنوبًا، ولا بالمفاوضات المعقّدة مع الأميركيين والإسرائيليين، بل بات الانفجار الداخلي نفسه جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع. وبينما تتقدّم إسرائيل في تثبيت وقائع ميدانية جديدة على الحدود، وتتحوّل المفاوضات من مسار لوقف الحرب إلى إدارة للأزمة تحت الضغط الأميركي، انفجر ملف العفو العام داخل البرلمان والشارع، كاشفًا حجم التصدّع السياسي والطائفي الذي يضرب البلاد.
في الكواليس السياسية، لا يبدو أنّ أيًّا من القوى اللبنانية يملك رؤية متماسكة للمرحلة المقبلة. الدولة تفاوض بلا ضمانات حقيقية، وحزب الله يراقب بقلق المسار الأمني الذي تدفع واشنطن نحوه، فيما يحاول رئيس مجلس النواب نبيه برّي منع انهيار التوازن الداخلي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. أمّا الشارع، فقد عاد إلى لغة القطع والاحتجاج والتعبئة المذهبية مع أول اختبار جدّي لقانون العفو.
فهرس المحتوى [إظهار]
الجنوب: إسرائيل تنقل الحرب إلى مرحلة تثبيت الوقائع
المؤشرات المتراكمة في الجنوب تؤكد أنّ إسرائيل لم تتعامل مع الهدنة الممتدة لخمسة وأربعين يومًا باعتبارها وقفًا فعليًا لإطلاق النار، بل كفرصة لإعادة تنظيم العمليات العسكرية وتوسيع هامش السيطرة الميدانية. فالاستهدافات اليومية، وعمليات تفجير المنازل، والإنذارات المتكررة للسكان، لم تعد مجرّد رسائل ضغط، بل تحوّلت إلى سياسة ثابتة هدفها إعادة تشكيل الواقع الحدودي وفرض بيئة أمنية جديدة جنوب الليطاني.
وفي موازاة التصعيد الميداني، تكشف المعطيات السياسية أنّ واشنطن لم تنجح في فرض وقف شامل للنار رغم المطالب اللبنانية المتكررة، بل إنّ سقف التفاوض انخفض تدريجيًا من محاولة تثبيت هدنة واضحة إلى مجرد إدارة خفض التصعيد ومنع الانفجار الكبير. وهذا ما ولّد داخل الدولة اللبنانية شعورًا متزايدًا بأنّ الجانب الأميركي يستخدم ملف المفاوضات للضغط على بيروت أكثر مما يستخدمونه للضغط على تل أبيب.
وتشير المعلومات الخاصة بـ "كواليس"، إلى أنّ اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير سيمون كرم بعد عودة الاخير من واشنطن، لن يكون بروتوكوليًا، بل مخصصًا لتقييم المسار التفاوضي برمّته، وسط مخاوف رسمية من تحوّل اللجنة الأمنية المشتركة المرتقبة في 29 الجاري إلى منصة لفرض ترتيبات أمنية وسياسية تتجاوز المسار السياسي وكذلك مسألة وقف النار والحدود، وتمتد نحو إعادة صياغة وظيفة الدولة اللبنانية أمنيًا في المرحلة المقبلة.
حزب الله وبرّي: احتواء الانفجار الداخلي
في موازاة ذلك، عادت قنوات التواصل بين بعبدا وحزب الله إلى العمل بعد مرحلة توتر حادّ، خصوصًا عقب الحديث عن استعداد لبنان للذهاب إلى تفاوض مباشر مع إسرائيل، وما رافقه من نقاشات داخلية حول ملف السلاح ودور الحزب في المرحلة المقبلة. لكنّ إعادة التواصل لم تأتِ من باب التسوية السياسية بقدر ما جاءت من باب احتواء المخاطر ومنع دفع لبنان بالكامل نحو المظلة الأميركية الأمنية، كما يراها الحزب.
وفي عين التينة، يتحرّك برّي على خطّ مزدوج: الاعتراض على المسار الذي تُدفع إليه الدولة في واشنطن، وفي الوقت نفسه منع انفجار العلاقة بين الحزب وبعبدا أو انتقال التوتر إلى الشارع الشيعي الداخلي. وتقول أوساط متابعة لـ "كواليس"، إنّ برّي يتعامل مع المرحلة باعتبارها الأخطر منذ سنوات، لأنّ إسرائيل تحاول استثمار الانقسام اللبناني الداخلي لتثبيت وقائع سياسية وأمنية دائمة، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن إنتاج موقف موحد أو امتلاك أوراق قوة فعلية.
العفو العام: من معالجة قضائية إلى اشتباك طائفي مفتوح
لكنّ الانفجار الأكبر جاء من الداخل، وتحديدًا من ملف العفو العام الذي تحوّل خلال ساعات من مشروع قانون لمعالجة أزمة السجون إلى عنوان اشتباك سياسي وطائفي ومذهبي واسع. فبعد الحديث عن “توافق نيابي واسع” على الصيغة المطروحة، انهارت التفاهمات فور الدخول في تفاصيل البنود المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين، وقضايا الإرهاب، والمتهمين بقتل عسكريين، ما دفع برّي إلى تأجيل الجلسة التشريعية بحجة سحب فتيل الانفجار "الى أجل غير مسمى".
واللافت ان بري كان نفسه وراء تعطيل التوافق السابق الذي حصل في بعبدا بشأن قانون العفو، وادخل تعديلات، حذرت اوساط نيابية من انها ستؤدي الى تحركات غاضبة في الشارع.
وعلمت "كواليس"، ان المعطيات التي سبقت قرار التأجيل كانت شديدة الخطورة، خصوصا لناحية توفر معلومات أمنية تحدثت عن استعداد مجموعات من قدامى العسكريين والمتعاطفين معهم للتحرك وقطع الطرقات رفضًا لشمول القانون من يتهمون بقتل عناصر الجيش، في مقابل تحركات مقابلة كان يُحضّر لها أهالي الموقوفين الإسلاميين للضغط باتجاه إقرار القانون وإخلاء سبيل أبنائهم. ومع ارتفاع منسوب الاحتقان الطائفي، فضّل برّي تجميد الجلسة بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة في الشارع.
الأرقام تكشف انهيار العدالة
بعيدًا عن المزايدات السياسية، تكشف الأرقام حجم الكارثة داخل السجون اللبنانية. إذ يبلغ عدد السجناء والموقوفين نحو 8590 شخصًا، بينهم ما يقارب 5996 موقوفًا لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، مقابل 1023 محكومًا فقط، فيما البقية عالقون بين المحاكم والتوقيفات الطويلة والأحكام غير المكتملة.
هذه الأرقام تعكس عمليًا عطب في المنظومة القضائية وتحول السجون إلى مراكز احتجاز مكتظة بلا سقف زمني واضح، وهو ما يفسر حالة الغليان التي شهدها سجن رومية والتحركات الشعبية التي امتدت من بيروت إلى طرابلس وعرسال وخلدة. لكنّ الملف سرعان ما أُغرق بخطاب التحريض الطائفي، بعدما جرى تصوير القانون وكأنه “عفو جماعي عن الإرهاب”، رغم أنّ القسم الأكبر من المستفيدين المحتملين مرتبط بملفات المخدرات والجنح وليس بملفات أمنية كبرى.
واشنطن وتل أبيب: خلافات حول إيران ومسار الحرب
إقليميًا، يتقاطع التصعيد اللبناني مع حراك أميركي– إيراني متسارع تقوده وساطات قطرية وباكستانية وسعودية وتركية ومصرية، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع. وكشفت تسريبات أميركية وإسرائيلية عن توتر حادّ بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خلفية مسار التفاوض مع إيران، بعد إبلاغ ترامب نتنياهو بوجود مسودة “خطاب نوايا” يجري العمل عليه بين واشنطن وطهران لفتح مسار تفاوض يمتد ثلاثين يومًا ويتناول الملف النووي ومضيق هرمز وترتيبات إقليمية أوسع.
وتشير المعطيات إلى أنّ إسرائيل تدفع بقوة نحو استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، فيما يفضّل ترامب إبقاء الباب مفتوحًا أمام التسوية السياسية، ولو تحت سقف الضغط العسكري والعقوبات. وفي هذا السياق، برز الدور القطري مجددًا عبر تحركات مباشرة مع طهران وواشنطن لمحاولة تقليص الفجوات وإعادة إحياء المسار التفاوضي.
لبنان أمام مرحلة إعادة تشكيل خطيرة
المشهد اللبناني لم يعد منفصلًا عن إعادة رسم التوازنات الإقليمية. الجنوب يتحول إلى ساحة تثبيت وقائع جديدة، والمفاوضات تُدار بمنطق أمني أكثر منه سياسي، والدولة اللبنانية تبدو عالقة بين الضغوط الأميركية والخشية من الانفجار الداخلي. وفي الداخل، كشف ملف العفو العام أنّ أيّ اهتزاز سياسي أو قضائي يمكن أن يتحول سريعًا إلى اشتباك هويّاتي وطائفي واسع.
هكذا، تبدو البلاد أمام أزمة أعمق من مجرد حرب أو تفاوض أو قانون خلافي. إنها أزمة دولة فقدت القدرة على إنتاج تسوية داخلية مستقرة، فيما الإقليم من حولها يعاد ترتيبه على إيقاع النار والمفاوضات معًا.