لم يعد المشهد اللبناني يُدار بمنطق الملفات المنفصلة. فبينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية بالقوة جنوباً، تتقدّم واشنطن بخط موازٍ عنوانه إعادة هندسة الواقع الأمني اللبناني تحت سقف “الهدنة”. وفي الداخل، يتحول قانون العفو العام إلى تسوية سياسية متفجرة تُدار بالحسابات الطائفية والانتخابية والصراعات السياسية أكثر مما تُدار بالمعايير القانونية. أما إقليمياً، فتعود دمشق إلى واجهة القلق الأمني بعد تفجير باب شرقي، في مؤشر يعكس حجم الهشاشة التي لا تزال تحيط بالمرحلة السورية الجديدة.
واشنطن تدفع نحو تفاوض أمني تحت النار
الوقائع الميدانية التي تلت إعلان تمديد الهدنة خمسةً وأربعين يوماً كشفت سريعاً أن إسرائيل لا تتعامل مع التهدئة بوصفها وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بل باعتبارها مساحة عمليات مفتوحة تُدار أميركياً. الغارات استمرت، والتحليق لم يتوقف، والتوغلات توسعت، فيما بقي لبنان الرسمي يراهن على ضغط أميركي لم يظهر عملياً على الأرض.
وبحسب أجواء سياسية تتابع الاتصالات الجارية، فإن واشنطن لا تبدو معنية حالياً بفرض وقف شامل للعمليات بقدر اهتمامها بترتيب مرحلة ما بعد الحرب جنوباً. لهذا السبب يُنظر إلى الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن باعتباره محطة تأسيسية لبحث مستقبل الجنوب اللبناني: دور الجيش، مصير “اليونيفيل”، توسيع صلاحيات “الميكانيزم”، وآليات الرقابة والتنسيق الأمني.
داخل لبنان، يتصاعد الاعتراض على الذهاب إلى أي ترتيبات أمنية فيما لا تزال الغارات مستمرة. وتخشى أوساط سياسية من أن يتحول الجيش اللبناني إلى جزء من منظومة أمنية تُفرض تدريجياً تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي، خصوصاً مع الحديث عن بدائل أو تعديلات تطال طبيعة عمل “اليونيفيل” وآليات التنسيق الميداني في الجنوب.
وفي هذا الاطار يرفض الجانب اللبناني الدفع باتجاه هذه الآليات من دون تفاهمات سياسية وامنية واضحة، وبرز هنا موقف الحزب الى اعادة خطوط التواصل مع الرئاسة اللبنانية، وتكليف النائب حسن فضل الله بالملف، وتساءلت مصادر عن ارتباط هذا الامر بتطورات مسارات واشنطن.
في المقابل، لا تخفي إسرائيل رغبتها في استثمار ميزان القوة الحالي لفرض معادلات طويلة الأمد، سواء عبر الإبقاء على مفهوم “الحزام الأمني”، أو عبر تكريس حقها في التدخل العسكري تحت عنوان “الدفاع عن النفس”. لكنّ النقاشات الإسرائيلية الداخلية تكشف في الوقت نفسه حجم القلق من استنزاف الجبهة الشمالية، ومن تصاعد تهديد المسيّرات، ومن تحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة استنزاف طويلة الكلفة.
سباق العفو: تسوية سياسية أم انفجار قانوني؟
في ساحة النجمة، بدت الساعات الأخيرة قبل الجلسة التشريعية كأنها سباق سياسي لإخراج قانون العفو العام بأي صيغة ممكنة قبل نهاية الدورة البرلمانية الحالية. ووفق المعطيات السياسية، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري دفع بقوة نحو حسم الملف قبل عيد الأضحى، بعدما تحوّل مشروع القانون إلى مادة اشتباك سياسي وطائفي مفتوح داخل اللجان النيابية.
الصيغة التي خرجت من اللجان لا تُقدَّم باعتبارها “عدالة شاملة”، بل كتسوية سياسية قائمة على تدوير الزوايا وتوزيع التنازلات. عملياً، يجمع المشروع بين شقين: إطلاق سراح الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون أحكام نهائية، وتخفيض واسع للعقوبات يشمل ملفات حساسة ومعقدة.
أبرز ما حمله المشروع كان خفض عقوبة الإعدام إلى ما يعادل 28 سنة سجنية (22 سنة فعلية)، وتخفيض عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إلى حدود 17 سنة، في خطوة هدفت إلى امتصاص الضغط الشعبي داخل البيئات السنية المرتبط بملف “الموقوفين الإسلاميين”. كما جرى تثبيت العودة إلى قانون 2011 لمعالجة ملف “الفارين إلى إسرائيل”.
لكنّ الجزء الأكثر حساسية تمثل في ما تصفه مصادر نيابية بـ ”التخفيض الجماعي المقنّع”، إذ أُدخلت مواد تسمح بتخفيض يقارب الثلث لمعظم العقوبات غير المستثناة، الأمر الذي أثار اعتراضات داخل اللجان، خصوصاً لجهة احتمال استفادة مرتكبي جرائم مالية وأخلاقية خطيرة من التخفيضات الجديدة.
وفي محاولة لحماية الحد الأدنى من التوازن القانوني، جرى تثبيت مجموعة استثناءات تشمل جرائم الفساد، المال العام، تبييض الأموال، الإثراء غير المشروع، وتمويل الإرهاب، إضافة إلى ربط أي استفادة من تخفيض العقوبات بإسقاط الحق الشخصي أو تسديد التعويضات.
ورغم ذلك، تبدو الصيغة النهائية أقرب إلى “تسوية ضرورية” منها إلى مشروع قانون متماسك قانونياً، في ظل خشية متزايدة من أن يتحول العفو إلى باب سياسي واسع لإعادة خلط ملفات أمنية وقضائية شديدة الحساسية داخل لبنان.