القائمة
11:00 17 أيار 2026

بانوراما | هدنة مع وقف التنفيذ.. وميشال عيسى يضغط لترتيبات امنية واسعة تمهد لحل سياسي

لبنان

بينما كانت الطائرات الإسرائيلية توسّع غاراتها على الجنوب اللبناني، وتوجّه إنذارات متتالية لقرى في صيدا والنبطية، كانت واشنطن تدفع باتجاه تثبيت هدنة جديدة تمتد لـ45 يوماً، في محاولة لمنع انفجار شامل على الجبهة اللبنانية، وإبقاء مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي قائماً، ولو بحدّه الأدنى. لكنّ الوقائع الميدانية والسياسية توحي بأنّ ما يجري لا يزال أقرب إلى إدارة تصعيد طويل، لا إلى إنتاج تسوية فعلية.

الغارات الإسرائيلية الأخيرة لم تقتصر على القرى الحدودية، بل شملت مناطق واسعة من الجنوب، من تبنا وقعقعية الصنوبر وتفاحتا والبابلية وكوثرية السياد، وصولاً إلى محيط صور والخيام ويحمر الشقيف وكفرتبنيت وأرنون، بالتوازي مع عمليات نسف وتجريف للمنازل والأحياء السكنية. وبدا واضحاً أنّ إسرائيل تتعامل مع الهدنة باعتبارها مساحة ميدانية مفتوحة لاستكمال الضغط العسكري، مستفيدة من الغطاء الأميركي المرتبط بما تسميه واشنطن “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.

ورغم إعلان وزارة الخارجية الأميركية التوصل إلى تمديد وقف الأعمال العدائية لـ45 يوماً، فإنّ الوقائع الميدانية لم تعكس حتى الآن أي التزام إسرائيلي حقيقي بخفض التصعيد. بل على العكس، تصاعدت الضربات الجوية بالتزامن مع انعقاد جولات التفاوض في واشنطن، في رسالة مباشرة مفادها أنّ إسرائيل تريد التفاوض تحت النار، وأنّ أي تهدئة مستقبلية ستكون مرتبطة بشروط أمنية وسياسية أوسع تتجاوز الجنوب اللبناني نفسه.

واشنطن: تمديد تقني لا تسوية سياسية

الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية التي عُقدت في وزارة الخارجية الأميركية انتهت بإعلان تمديد وقف إطلاق النار، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية مطلع حزيران، بالتوازي مع إطلاق مسار أمني ـ عسكري في البنتاغون نهاية أيار بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين.

البيان الأميركي حمل لغة سياسية لافتة، تحدثت عن “سلام دائم”، و "الاعتراف الكامل بسيادة كل طرف”، و”ترسيخ الأمن على طول الحدود المشتركة”. وهي صياغات تعكس بوضوح أنّ واشنطن لا تتعامل مع المفاوضات باعتبارها مجرد آلية لوقف النار، بل كبوابة لمسار سياسي وأمني أوسع قد يصل لاحقاً إلى ترتيبات تتجاوز اتفاقات الهدنة التقليدية.

لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فبحسب أجواء دبلوماسية غربية وأميركية، لا تزال إسرائيل ترفض تقديم أي تنازل فعلي قبل الوصول إلى خطوات واضحة مرتبطة بسلاح حزب الله، وببسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي الجنوبية. وفي المقابل، يركّز لبنان الرسمي على أولوية تثبيت وقف شامل للنار ووقف عمليات التدمير والاغتيال والقصف قبل الانتقال إلى أي بحث سياسي أو أمني آخر.

داخل الخارجية الأميركية نفسها، لا تبدو الأجواء متفائلة بالكامل. فثمة انطباع متزايد لدى بعض الدوائر الأميركية بأنّ لبنان يقدّم تعهدات يصعب تنفيذها، خصوصاً في ملف حصر السلاح بيد الدولة، فيما لا تبدي إسرائيل استعداداً لفصل وقف النار عن هذا الملف.

بعبدا وعين التينة والسراي: محاولة لإنتاج موقف موحد

في بيروت، تحوّلت الحركة السياسية بين بعبدا وعين التينة والسراي إلى خلية تنسيق مفتوحة، هدفها الأساسي منع انهيار الموقف الداخلي تحت ضغط المفاوضات والضغوط الأميركية والإسرائيلية.

رئيس الجمهورية جوزيف عون أجرى أكثر من اتصال مع الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، وشارك بشكل مباشر في مراجعة صياغة البيان الأميركي المشترك، فيما ركّزت بعبدا على تثبيت مطلب وقف إطلاق نار شامل وتحـييد البنى التحتية المدنية عن الاستهداف.

وفي موازاة ذلك، كثّف رئيس البرلمان نبيه بري اتصالاته مع الرئاسة الأولى ورئاسة الحكومة، مؤكداً رفضه لمسار التفاوض المباشر، لكنه في الوقت نفسه يتعامل بواقعية مع المسار القائم، على قاعدة محاولة انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب اللبنانية، وفي مقدمتها وقف شامل للنار وانسحاب إسرائيلي واضح.

وبحسب أجواء سياسية مطلعة، أبلغ بري رئيس الجمهورية أنّه يستطيع إقناع حزب الله بالالتزام الكامل بوقف النار إذا التزمت إسرائيل فعلياً بوقف اعتداءاتها وعمليات التدمير والاغتيال. وهي معادلة تعكس محاولة لبنانية داخلية لإنتاج توازن يمنع تحميل حزب الله وحده مسؤولية انهيار أي تهدئة مقبلة.

في المقابل، حافظ حزب الله على موقفه المعلن الرافض للمفاوضات المباشرة، مؤكداً أنّه غير معني بهذا المسار، لا شكلاً ولا مضموناً، لكنه في الوقت نفسه لم يذهب نحو التصعيد السياسي ضد الدولة اللبنانية، ما يوحي بأنّ الحزب يفضّل حالياً مراقبة المسار من الخارج، بانتظار اتضاح الاتجاهات الأميركية والإسرائيلية.

إسرائيل: أمن الحدود أولاً… ونزع السلاح قبل أي انسحاب

القراءة الإسرائيلية للمفاوضات مختلفة بالكامل عن المقاربة اللبنانية. فتل أبيب تعتبر أنّ الحرب الحالية فتحت فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني في جنوب لبنان، وليس فقط لإنتاج هدنة مؤقتة.

المطالب الإسرائيلية لا تزال تتمحور حول ثلاثة عناوين أساسية: منع إعادة تموضع حزب الله جنوباً، تعزيز دور الجيش اللبناني ضمن ترتيبات أمنية جديدة، والوصول تدريجياً إلى مسار يقيّد البنية العسكرية للحزب.

ولهذا السبب، تصرّ إسرائيل على مواصلة الضغط الميداني بالتوازي مع التفاوض، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي اتفاق نهائي. كما أنّ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أنّ أي انسحاب أو تهدئة طويلة يجب أن يسبقهما مسار واضح مرتبط بالسلاح، وهو ما يفسّر استمرار الغارات والإنذارات رغم إعلان تمديد الهدنة.

وفي هذا السياق، برزت معلومات دبلوماسية عن اندفاعة أميركية يقودها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لدفع المفاوضات نحو اتفاق أمني أوسع قد يفتح لاحقاً الباب أمام تطورات سياسية أكبر، وصولاً إلى سيناريوات تتعلق بالعلاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية نفسها، وهو ما يثير حساسية داخلية لبنانية واسعة.

الإقليم يتحرك… ولبنان داخل إعادة تشكيل المنطقة

بالتوازي مع المشهد اللبناني، تبدو المنطقة كلها في حالة إعادة تموضع سياسي وأمني متسارع. فالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تجري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب المفتوحة في غزة، والتوتر الأميركي ـ الإيراني، والتحولات السورية، والحراك التركي ـ الكردي.

وفي سوريا، فتح قائد “قسد” مظلوم عبدي الباب أمام احتمال زيارة تركيا ولقاء عبد الله أوجلان، في تطور يعكس تحولات عميقة داخل المقاربة التركية للملف الكردي، ويشير إلى أنّ أنقرة تحاول إعادة هندسة المشهد الأمني في شمال سوريا ضمن مشروع “تركيا بلا إرهاب”، الذي بات يتجاوز الداخل التركي نحو العراق وسوريا.

هذا المسار لا ينفصل عن إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية. فتركيا تتحرك لإغلاق ملف الحدود الجنوبية، ودمشق تسعى لتثبيت سلطتها الجديدة، فيما تحاول واشنطن منع انفجار شامل في لبنان قد يخلط كل المسارات الإقليمية معاً.

وفي الخلفية، تبدو العواصم العربية الأساسية، وخصوصاً الرياض والدوحة والقاهرة، منشغلة بمنع انهيار لبنان الكامل، ليس فقط خوفاً من الحرب، بل أيضاً خشية تحوّل الساحة اللبنانية إلى نقطة اشتباك إقليمية مفتوحة في لحظة إعادة رسم توازنات المنطقة.

الجنوب لا يزال المقياس الحقيقي

حتى الآن، لا تبدو مفاوضات واشنطن قد تجاوزت مرحلة إدارة الاشتباك. فالفجوة لا تزال واسعة بين مطلب لبنان بوقف شامل للنار وانسحاب إسرائيلي واضح، وبين إصرار إسرائيل على تحويل أي تهدئة إلى مدخل لمسار أمني وسياسي أوسع مرتبط بسلاح حزب الله وترتيبات الحدود.

وعليه، فإنّ مهلة الـ45 يوماً ليست مجرد تمديد تقني لوقف إطلاق النار، بل فترة اختبار فعلية لكل الأطراف: اختبار لقدرة واشنطن على ضبط إسرائيل، واختبار لقدرة الدولة اللبنانية على الحفاظ على تماسك موقفها الداخلي، واختبار أيضاً لرغبة حزب الله في إبقاء الجبهة تحت سقف الضبط وعدم الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

لكنّ الثابت حتى اللحظة أنّ الجنوب اللبناني لا يزال هو الميدان الذي سيحسم صدقية أي تفاهم. فما لم تتوقف الغارات، ويتراجع القصف، وتتوقف عمليات التدمير، ستبقى كل البيانات السياسية مجرد غطاء دبلوماسي لحرب لم تنتهِ بعد.