في ظلّ التوترات التي يشهدها الجنوب اللبناني من قصف ودمار وتهجير، لعبت الصورة دوراً أساسياً في إيصال المشهد إلى مختلف المناطق اللبنانية وإلى العالم، إذ تحوّلت كاميرات الهواتف ووسائل الإعلام إلى وسيلة مباشرة لنقل حجم المعاناة الإنسانية والدمار الذي طال القرى الحدودية. ومع اتساع رقعة المواجهات وازدياد الضربات الإسرائيلية، أصبحت الصور ومقاطع الفيديو جزءاً أساسياً من المشهد اليومي للحرب، سواء في التغطيات الإعلامية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي. لكن، وفي مقابل هذا الدور الإعلامي، برزت حالة من القلق والخوف لدى شريحة واسعة من أبناء الجنوب، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن الخروقات الإلكترونية والقدرات الاستخباراتية الإسرائيلية في متابعة الاتصالات والمواد المنشورة عبر الإنترنت. ويعتقد كثيرون أن أي صورة أو فيديو يتم نشره من داخل القرى قد يُستخدم بطريقة أو بأخرى في تحديد المواقع أو تقييم نتائج الضربات أو مراقبة التحركات داخل المناطق المستهدفة، ما دفع بعض البلديات إلى اتخاذ إجراءات مشددة تتعلق بعمليات التصوير والنشر.
ومن هنا، صدر بيان عن عدد من البلديات الجنوبية ذات الغالبية المسيحية، من بينها برج الملوك وجديدة مرجعيون والقليعة، دعت فيه إلى "الامتناع منعًا باتًا عن القيام بأي أعمال تصوير للأحداث من داخل البلدة ومن جميع الجهات، سواء من قبل الأفراد أو الجهات الصحافية، وذلك حفاظًا على السلامة العامة".
ولم يقتصر البيان على منع التصوير فقط، بل شدّد أيضاً على “ضرورة منع إرسال أو نشر أو تداول أي صور أو مقاطع فيديو مصوّرة من داخل البلدة إلى الصحافة أو القنوات الإخبارية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحت طائلة المسؤولية”. ويأتي هذا القرار في وقت شهدت فيه هذه المناطق سابقاً عمليات قصف وأضراراً مباشرة نتيجة التصعيد الإسرائيلي المستمر على الجنوب اللبناني.
ويعكس هذا الموقف حجم التوتر الأمني الذي يعيشه الجنوب، حيث لم تعد الحرب مقتصرة على المواجهة العسكرية الميدانية فقط، بل باتت مرتبطة أيضاً بالحرب الإلكترونية وجمع المعلومات عبر الوسائل الرقمية. كما يكشف عن معادلة معقدة يعيشها الأهالي بين الرغبة في نقل الحقيقة وتوثيق ما يجري، وبين الخوف من أن تتحول هذه المواد المصوّرة إلى أدوات قد تُستخدم ضدهم في ظل واقع أمني شديد الحساسية.