لم يعد السؤال في بيروت ما إذا كانت المنطقة ذاهبة إلى تسوية، بل أي نوع من التسويات يجري تحضيره، وعلى حساب من. فلبنان الذي حاول خلال الأشهر الماضية تقديم نفسه كمسار منفصل عن الاشتباك الأميركي – الإيراني، عاد ليكتشف أن الجنوب والضاحية والبقاع ما زالت تُدار ضمن الإيقاع الإقليمي نفسه، وأن أي تفاهم كبير في المنطقة سيمر حكماً عبر الجبهة اللبنانية، سواء اعترفت الدولة بذلك أم لا.
وبحسب معطيات حصل عليها موقع “كواليس”، فإن الاتصالات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة متقدمة تتعلق بصياغة تفاهم مؤقت يهدف إلى وقف الحرب واحتواء التصعيد في الخليج، لا إلى إنتاج اتفاق شامل ونهائي.
وأوضحت مصادر دبلوماسية مطلعة إن واشنطن وطهران خفضتا سقف التوقعات، وانتقلتا من البحث في “صفقة كبرى” إلى ترتيب محدود يقوم على ثلاث مراحل:
1- تثبيت وقف الأعمال العسكرية
2- معالجة أزمة مضيق هرمز
3- ثم فتح نافذة تفاوضية تمتد نحو ثلاثين يوماً لمناقشة الملفات العالقة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي.
لكنّ هذا المسار، وفق المصادر نفسها، لا يفصل لبنان عن التفاوض، بل يضعه داخل سلّة الترتيبات الأمنية الإقليمية. وتشير المعلومات إلى أن طهران أبلغت حلفاءها اللبنانيين أن أي تهدئة في الجنوب ستكون مرتبطة مباشرة بمآلات التفاهم مع الأميركيين، فيما تحاول الدولة اللبنانية بالمقابل تثبيت معادلة معاكسة تقوم على حصر التفاوض بالدولة اللبنانية ومؤسساتها.
إلّا أنّ الوقائع الميدانية تسير بعكس هذا المنطق. فكلما تقدمت الاتصالات الأميركية – الإيرانية، رفعت إسرائيل مستوى الضغط العسكري في لبنان، وكأنها تريد فرض شروطها بالنار قبل الوصول إلى أي تفاهم سياسي.
تفاوض في واشنطن تحت ضغط النار
في هذا المناخ، تتحضر بيروت للجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن الأسبوع المقبل، بوساطة أميركية. وبحسب المعلومات، فإن الوفد اللبناني سيضم السفير السابق في واشنطن سيمون كرم، والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، ونائب رئيس البعثة وسام بطرس، إضافة إلى الملحق العسكري اللبناني أوليفر حاكمة.
وتقول مصادر رسمية إن المفاوضات ستتناول شقين متوازيين: الأول أمني يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار ومنع الخروقات، والثاني سياسي يتصل بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، والحدود، والأسرى، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.
لكن بيروت، وفق مصادر سياسية مطلعة لـ "كواليس"، لا تذهب إلى واشنطن بعقلية “السلام” أو التطبيع، بل بمنطق محاولة الوصول إلى تفاهم عدم اعتداء طويل الأمد يوقف الاعتداءات الإسرائيلية ويعيد تثبيت الحدود والهدنة. ولهذا السبب، أبلغت الرئاسة اللبنانية واشنطن رفضها أي لقاء مباشر حالياً بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خشية انفجار الوضع الداخلي وإسقاط أي غطاء سياسي للمفاوضات.
في المقابل، تعمل إسرائيل على تثبيت معادلة مختلفة بالكامل: تفاوض تحت الضغط العسكري، لا تفاوض يقود إلى التهدئة. وهذا ما ظهر بوضوح في الغارة الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت.
الضاحية والرسالة الإسرائيلية
تقول مصادر أمنية لـ”كواليس” إن استهداف حارة حريك لم يكن مجرد عملية اغتيال موضعية لقائد في قوة “الرضوان”، بل رسالة سياسية – أمنية متعددة الاتجاهات. فالعملية جاءت عشية التحضير لجولة واشنطن، وفي توقيت أرادت تل أبيب من خلاله رفع سقف شروطها وإبلاغ الجميع أن بيروت نفسها لم تعد خارج بنك الأهداف.
وتضيف المصادر أن إسرائيل تسعى إلى تكريس قواعد اشتباك جديدة تقوم على أن وقف النار لا يعني وقف الاغتيالات، وأن أي محاولة من “حزب الله” لإعادة ترميم قدراته ستواجه بضربات استباقية مفتوحة، سواء في الجنوب أو البقاع أو الضاحية.
ولهذا، لم يكن خطاب بنيامين نتنياهو بعد الغارة تفصيلاً عابراً، خصوصاً عندما تحدث عن أن “لا حصانة في بيروت”، وأعلن أن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من مئتي عنصر من “حزب الله” منذ بدء الهدنة. فتل أبيب تريد إقناع جمهورها الداخلي بأنها لم تخسر حرية العمل العسكري في لبنان، كما تريد الضغط على واشنطن كي لا تذهب بعيداً في أي تفاهم إقليمي لا يراعي الشروط الأمنية الإسرائيلية.
من دمشق إلى البحر الأحمر
بالتوازي مع المسار الأميركي – الإيراني والتفاوض مع إسرائيل، يتحرك لبنان أيضاً على الخط السوري. وبحسب مصادر حكومية لـ”كواليس”، فإن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام المرتقبة إلى دمشق ولقاءه الرئيس السوري أحمد الشرع ستبحث في التنسيق الأمني والحدودي، إضافة إلى كيفية منع تحول الجنوب السوري واللبناني إلى جبهة مترابطة في أي مواجهة إقليمية مقبلة.
وفي الخلفية، تبدو المنطقة كلها في طور إعادة تنظيم اقتصادي وأمني واسع. فالسعودية، التي تأثرت بتعطيل الملاحة في الخليج خلال الحرب الأخيرة، تسرّع نقل ثقلها الاقتصادي نحو البحر الأحمر، عبر تطوير ميناء نيوم وخطوط النقل الغربية وربطها بمشاريع الطاقة والتجارة الجديدة.
وتقول مصادر خليجية إن الرياض باتت تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره “بديل الأمان” عن الخليج ومضيق هرمز، خصوصاً مع استمرار القلق من أي مواجهة مستقبلية قد تعيد شل الملاحة والطاقة في الشرق الخليجي.
هكذا يبدو لبنان اليوم واقفاً عند تقاطع خطير: تفاوض أميركي – إيراني لم ينضج بالكامل، تصعيد إسرائيلي مفتوح، وضغط داخلي متصاعد حول السلاح والعفو العام والانقسام السياسي. وبين هذه المسارات، لا تبدو المرحلة المقبلة مرحلة حلول نهائية، بل مرحلة إدارة توترات كبرى ومنع الانهيار الشامل بانتظار توازنات إقليمية جديدة لم تتضح صورتها بعد.