في بلدٍ يقف على حافة الانقسام مع كلّ خطاب تحريضي، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في الساعات الأخيرة إلى ساحة تعبئة مذهبية خطيرة، بعدما فجّر فيديو نشرته قناة LBCI على صفحتها عبر “إنستغرام” موجة غضب واسعة داخل بيئة “حزب الله”، سرعان ما خرجت من إطار الانتقاد الإعلامي إلى حملات إساءة مباشرة بحقّ البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، في مشهد أعاد إلى الواجهة مخاطر التحريض الطائفي واللعب بالسلم الأهلي في مرحلة شديدة الحساسية يعيشها لبنان.
الفيديو الذي نشرته القناة أظهر شخصية كرتونية لطائر ضخم يرتدي عمامة بيضاء ولباساً عسكرياً، في إشارة واضحة إلى الأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم، وهو يقود مجموعة من الطيور الصغيرة المقاتلة التي ترتدي عصبات صفراء وتجهيزات عسكرية. وافتُتح المقطع بعبارة: “إذا حدا مفكر يستسلم يروح يستسلم لحاله... استسلام ما في”، في رسالة تحمل طابع التحدي والتصعيد. كما تضمّن مشاهد لـ“الخنازير الخضراء” التي ترمز إلى الجانب الإسرائيلي داخل سياق كرتوني قتالي، مع ظهور طائرات مسيّرة وأسلحة وأنفاق ومشاهد دمار وانفجارات.
لكن ردود الفعل لم تتوقف عند حدود الاعتراض على محتوى الفيديو، إذ شهدت مواقع التواصل حملة هجوم واسعة من مناصرين لـحزب الله ضد البطريرك الراعي، تخللتها صور وتعليقات مهينة ومسيئة، ما أثار مخاوف جدية من دفع الخطاب العام نحو مواجهة مذهبية خطيرة، خصوصاً أنّ الاستهداف طال المرجعية الروحية الأبرز لدى المسيحيين الموارنة في لبنان. من ابرز الشخصيات المحسوبة على حزب الله والتي بدأت هذه الحملة هو المنشد علي بركات بعد تداول صورة مسيئة للبطريرك علي فايسبوك.
أثار توقيت الحملة ضد البطريرك علامات استفهام، إذ أنّ الهجوم الذي خرج من أوساط محسوبة على بيئة حزب الله قد لا يكون مرتبطاً فقط بالفيديو، بل ربما يتقاطع أيضاً مع مواقف الراعي الأخيرة الداعمة لقرارات رئيس الجمهورية جوزاف عون وخطابه الداعم للدولة وسيادتها. وتطرح هذه القراءة تساؤلات عمّا إذا كانت الحملة تحمل في خلفيتها رسائل سياسية، خصوصاً في ظل مواقف سابقة للراعي شدد فيها على حصرية القرار الوطني بيد الدولة ورفض الانقسامات التي تهدد وحدة اللبنانيين.
بدورها، أصدرت الرابطة المارونية بياناً اعتبرت فيه أنّ ما يحصل يشكّل “إسفافاً وتحريضاً وقلة احترام” للبطريركية المارونية ولما يمثّله البطريرك الراعي وطنياً وروحياً، مؤكدة أنّ هذه التجاوزات وُضعت برسم القضاء المختص للتحرك السريع وتوقيف المسؤولين عنها ومحاسبتهم.
وشددت الرابطة على أنّ البطريركية المارونية “تبقى فوق سقف أي أذى”، محذّرة من خطورة الانزلاق نحو خطاب فتنة والتطاول على الرموز الدينية، داعية الأجهزة القضائية والأمنية إلى التشدد في تطبيق القوانين وعدم التهاون مع أي إساءة تمسّ الكرامات والمرجعيات الدينية، معتبرة أنّ حماية هذه الرموز هي جزء أساسي من حماية النسيج الوطني اللبناني.
وفي بيان صدر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله، اعتُبر أنّ فيديوهات LBCI تتجاوز الخلاف السياسي وتصل إلى مستوى “استفزازي” يهدف إلى توتر الشارع وإثارة الفتنة، داعياً الجمهور إلى “عدم الانجرار” وراء هذه الحملات. إلا أنّ هذا التعبير يفُهم لدى كإشارة إلى حجم الاحتقان القائم، وإمكانية الانزلاق نحو ردود فعل متوترة في حال استمرار التصعيد.
ويأتي هذا التصعيد في وقت كان فيه البطريرك الراعي قد عبّر بوضوح عن دعمه لرئيس الجمهورية جوزيف عون، مؤكداً أنّه يتحدث ويفاوض باسم اللبنانيين جميعاً، ومشدداً على أنّ مقاربة الاستحقاقات الوطنية يجب أن تبقى بعيدة عن أي خطاب طائفي أو فئوي. كما أكد الراعي تمسّكه بخيارات الدولة وسيادة لبنان وعدم التفريط بحقوقه الوطنية، في موقف اعتبره كثيرون جامعاً وعابراً للطوائف.
في ظل هذا المشهد، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الحملات الإلكترونية المنظمة وخطابات التحريض المذهبي إلى شرارة توتر داخلي جديد، خصوصاً في ظل الانقسامات السياسية والطائفية الحادة التي يعيشها لبنان، ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود الخطاب السياسي والإعلامي، وحول الجهات التي تدفع باتجاه تأجيج الانقسامات بدل حماية ما تبقى من الاستقرار الداخلي والعيش المشترك.