لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل متى، وبأي كلفة، وتحت أي سقف داخلي مهترئ. البلد دخل فعليًا مرحلة الشلل القيادي، حيث انهار “المطبخ السياسي” الذي كان يدير الحد الأدنى من التوازن بين بعبدا وعين التينة والسرايا، وتحول الخلاف حول التفاوض من تباين قابل للاحتواء إلى صدام مفتوح يعطّل القرار في لحظة هي الأخطر منذ سنوات.
في العمق، لا يدور الخلاف حول تقنية التفاوض بقدر ما يعكس صراعًا على تعريف الواقع نفسه. فثنائي بعبدا– السراي، بقيادة رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، يتعامل مع الوقائع كما هي: ميدان يميل لمصلحة إسرائيل، وضغط أميركي متصاعد، وإصرار من حزب الله على رفض المسار اللبناني التفاوضي، ونافذة زمنية ضيقة تفرض الذهاب إلى تفاوض مباشر كخيار اضطراري لتفادي الأسوأ.
في المقابل، يتمسك نبيه بري بسقف يقترب من شروط “حزب الله”، يربط أي تفاوض بانسحاب إسرائيلي مسبق ووقف الحرب، وهو طرح يبدو سياسيًا أكثر منه عمليًا في ظل ميزان القوى القائم.
هنا تكمن العقدة: لبنان لا يملك ترف صياغة شروطه من موقع قوة، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن الاتفاق على الحد الأدنى من الواقعية. وبين هذين الحدّين، يضيع القرار.
في الميدان، الصورة أوضح من أي نقاش سياسي. لا وقف إطلاق نار فعلي. الجنوب يُستنزف يوميًا، والبقاع يدخل تدريجيًا في دائرة النار، فيما تتحول عمليات النسف والتدمير إلى سياسة ثابتة، لا مجرد ردود فعل. إسرائيل لا تخفي نواياها، بل تكرّسها. تصريحات رئيس الأركان إيال زامير حول التمسك بـ“الخط الأصفر” ليست تفصيلًا عسكريًا، بل إعلانًا بأن تل أبيب لا ترى نفسها في موقع المنسحب، بل في موقع من يفرض وقائع طويلة الأمد، أمنيًا وجغرافيًا.
الأخطر أن ما يُسمّى “الهدنة” لم يعد قائمًا إلا شكليًا. الميدان يعمل وفق منطق الحرب المفتوحة، والسياسة تتعامل معه كأنه قابل للضبط. هذه الفجوة بين الواقع والقرار هي ما يضع لبنان على حافة الانفجار الكبير.
المعطى الأكثر حساسية يأتي من واشنطن التي تتعامل مع الملف اللبناني ضمن مهلة زمنية محددة، اذ تشير التقديرات إلى نافذة لا تتجاوز أسبوعين لمحاولة فرض مسار تفاوضي، قبل أن تعود إسرائيل إلى “الخطة الأصلية”، أي توسيع العمليات شمال الليطاني، وربما ما هو أبعد. بمعنى آخر، ما يجري الآن ليس تهدئة، بل انتظار لنتيجة الضغط السياسي، تمهيدًا لقرار عسكري.
في الداخل، الانقسام يتعمق. العلاقة بين بعبدا وعين التينة خرجت من إطار التباين إلى مستوى القطيعة السياسية، واللغة المتبادلة تعكس انعدام ثقة غير مسبوق بين الرئاسات. في هذا الوقت، يدخل عامل خارجي إضافي على الخط: واشنطن تضغط باتجاه التفاوض السريع، وآخرها بيان السفارة الاميركية في لبنان الداعي بشكل غير مباشر الى لقاء مباشر بين عون ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. من جهتها، تراقب طهران موقع لبنان ضمن مسار تفاوضها الأوسع، ما يجعل القرار اللبناني رهينة تقاطعات إقليمية لا قدرة له على ضبطها.
وبينما يفقد النظام السياسي تماسكه، تنفجر جبهة القضاء. التعيينات الأخيرة، وعلى رأسها تعيين مدعٍ عام تمييزي جديد، فجّرت مواجهة مباشرة بين السلطة السياسية ومجلس القضاء الأعلى، مع اعتراضات وصلت إلى حد التلويح بالاستقالة والاعتكاف. في بلد على حافة الحرب، لم يعد الانقسام سياسيًا فقط، بل بات مؤسساتيًا شاملًا.
بهذا المعنى، يدخل لبنان المرحلة المقبلة عاريًا: لا موقف موحد، لا مؤسسات متماسكة، ولا رؤية واضحة. وإذا فشلت المحاولة الأخيرة لفرض حد أدنى من التوافق، فإن الحرب المقبلة—إن وقعت—لن تكون فقط نتيجة ضغط خارجي، بل أيضًا نتيجة فراغ داخلي كامل.