القائمة
10:36 29 نيسان 2026

مانشيت| لبنان: صراع بين مساري واشنطن وإسلام آباد

لبنان

يدخل لبنان مرحلة مفصلية تتقلّص فيها خياراته إلى حدّ غير مسبوق، مع تقاطع ضغطين متوازيين: ضغط ميداني إسرائيلي يكرّس واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب، وضغط أميركي مباشر يضع الدولة أمام اختبار حاسم في واشنطن. 

وفي التوازي مع ذلك، يتصاعد الضغط الايراني من خلال الذراع العسكري المحظور لحزب الله في لبنان، بالاستمرار في الدفع نحو تدهور الهدنة سواء في الميدان عبر عمليات تزيد الخسائر البشرية والمادية في الجنوب، ووصولا الى الخطابات السياسية الانتحارية وآخرها للامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم.   

في هذا السياق، لم يعد تأجيل اجتماع الرؤساء الثلاثة تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشراً واضحاً على تعذّر إنتاج موقف لبناني موحّد في لحظة يُطلب فيها قرار سيادي كبير، يتجاوز إدارة الأزمة نحو تحديد شكل النظام السياسي والأمني المقبل، وسط قناعة متنامية بأن أي تأخير إضافي لم يعد شراءً للوقت بل استنزافاً له.  

المعطيات المتقاطعة تشير إلى أن مفهوم "الهدنة" تغيّر جذرياً. فهي لم تعد وقفاً لإطلاق النار، بل إطاراً تعمل من خلاله إسرائيل على مواصلة عملياتها تحت عنوان "الدفاع الاستباقي"، مع تثبيت حقّ التدخل العسكري في أي لحظة، وتوسيع هامش الضربات من دون سقف واضح، بينما يستغله الحزب للضغط باتجاه ربط ملف التفاوض على سلاحه بمحادثات إسلام آباد. 

هذا التحول ترافق مع "تفهم" أميركي عملي للرواية الإسرائيلية، ما يهدد بإسقاط الرهان اللبناني التقليدي على دور واشنطن كضابط إيقاع، ويحوّلها إلى طرف ضاغط باتجاه إعادة صياغة التوازن الداخلي عبر ملف سلاح ميليشيا "حزب الله" المحظورة، لا كوسيط يسعى إلى احتواء التصعيد.

في موازاة ذلك، برز العامل الأكثر حساسية: الدفع الأميركي لعقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية الرئيس الاميركي دونالد ترامب. هذا الطرح لا يُقرأ كخطوة بروتوكولية، بل كمدخل لإطلاق مسار سياسي– أمني متكامل، تُرسم فيه قواعد المرحلة المقبلة. 

فواشنطن تريد التزاماً لبنانياً واضحاً بخارطة طريق تشمل حصر السلاح بيد الدولة، وضبط الحدود بشكل كامل، وتوقيع تفاهمات أمنية تضمن استقرار الجبهة الشمالية لإسرائيل، على أن يُفتح لاحقاً باب ترتيبات أوسع قد تصل إلى مسار سلام تدريجي.

في المقابل، تُطرح حزمة "حوافز" مشروطة: وقف شامل للاعتداءات، انسحاب إسرائيلي من الاراضي اللبنانية المحتلة، إطلاق الأسرى، وبدء عملية إعادة إعمار بإشراف دولي وعربي. إلا أن هذه الحوافز تبدو، في القراءة اللبنانية، أقرب إلى أدوات ضغط ناعمة موازية للتهديد العسكري، وليست ضمانات نهائية، خصوصاً في ظل غياب أي التزام أميركي صريح بكبح إسرائيل بشكل فعلي.

لكن هذا المسار يصطدم بانقسام داخلي حاد، خرج إلى العلن بشكل غير مسبوق. فمواقف قيادة "حزب الله"، في مقابل خطاب رئاسة الجمهورية والحكومة، تعكس صراعاً بين منطقين متناقضين للدولة: الأول يعتبر أن أي تفاوض تحت النار هو استسلام سياسي مرفوض، ويربط أي حل بتوازنات إقليمية وبالغطاء الإيراني؛ والثاني يرى أن استمرار الوضع الحالي يقود إلى تثبيت الاحتلال وتوسيع المنطقة العازلة، وأن التفاوض بات ضرورة وجودية وليس خياراً سياسياً. وبين هذين المنطقين، تتآكل قدرة الدولة على اتخاذ قرار، وتتحول مؤسساتها إلى ساحة شدّ حبال مفتوحة.

ميدانياً، لم تعد إسرائيل تتصرف كطرف في اتفاق، بل كقوة وصاية ميدانية تفرض قواعدها بالنار. الغارات اليومية، الإنذارات المتكررة، والاغتيالات الموضعية، إلى جانب استمرار السيطرة على عشرات البلدات، بالإضافة الى استمرار الحزب في رهن مصير لبنان بمسار ايران، ترسم معالم "جنوب منزوع السيادة".

 فيما يجري تكريس واقع أمني جديد يسمح لإسرائيل بالتحرك متى تشاء، من دون رادع فعلي. وفي المقابل، يعتمد "حزب الله" نمط استنزاف منخفض الكلفة، عبر المسيّرات والعمليات المحدودة، ما يمنحه قدرة على الاستمرار وتفادي الحرب الشاملة، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة الاستنزاف على الداخل اللبناني، من دمار متراكم ونزوح طويل الأمد وتآكل اقتصادي واجتماعي.

على المستوى الدولي، تكشف مواقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن تغيير عميق في المقاربة، حيث يتم التعامل مع الوضع في لبنان كملف أمني داخلي مرتبط بسلاح "حزب الله"، لا كحالة اعتداء خارجي مستمر. هذا التحول يعيد تعريف دور الدولة اللبنانية، ويضع الجيش في قلب معادلة شديدة الحساسية، عبر مطالبته بلعب دور مباشر في مواجهة ميليشيا الحزب المحظورة، وهو ما يهدد بتفجير التوازنات الداخلية إذا لم يُدار ضمن إطار سياسي شامل.

في الخلفية، تتصاعد الضغوط الأميركية بشكل مباشر ومكثّف: إما الانخراط في مسار التفاوض وقبول شروطه، أو مواجهة احتمال منح إسرائيل ضوءاً أخضر لتوسيع الحرب إلى مستويات ربما تنفلت و تطال البنية التحتية للدولة. هذا التهديد يتقاطع مع مؤشرات ميدانية على أن تل أبيب تعمل بالفعل على تثبيت وقائع دائمة في الجنوب، مستفيدة من الانقسام اللبناني وغياب موقف دولي حازم.

إقليمياً، يظهر دعم عربي واضح لاستقرار لبنان، مع تركيز سعودي وقطري على منع الانفجار الداخلي والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإعادة تثبيت اتفاق الطائف كمرجعية سياسية. إلا أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرارها، وهو ما يبدو حتى الآن رهناً بتوازنات داخلية دقيقة، وبمسار التفاهمات الإقليمية الأوسع، خصوصاً في ظل الارتباط العضوي بين الجبهة اللبنانية والتوتر الأميركي–الإيراني.

في المحصلة، يقف لبنان أمام لحظة حاسمة لا تحتمل المناورة الطويلة: إما الذهاب إلى تسوية بشروط قاسية تعيد رسم التوازنات الداخلية وتفرض أثماناً سياسية كبيرة، أو الاستمرار في إدارة الانقسام بما يحمله من خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وبين هذين الخيارين، تتآكل الهدنة تدريجياً، ويتحوّل الوقت من عنصر إنقاذ إلى عامل ضغط إضافي، في لحظة يبدو فيها أن القرار لم يعد مؤجلاً، بل مؤجَّل الانفجار فقط.