القائمة
05:17 27 نيسان 2026
"خاص كواليس"

"لا علم ولا خبر"... أين اختفت "الجماعة الإسلامية"؟

وراء الكواليس

شكّلت الجولة الأخيرة من الحرب الإيرانية– الإسرائيلية في لبنان لحظة انكشاف كاملة لـ"الجماعة الإسلامية"، التي بدت خارج المشهد السياسي والعسكري والخدماتي، على مستوى الساحة الوطنية عموماً، والسنية خصوصاً.

وبدا أن البيان المقتضب الذي أصدرته الجماعة مع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لزوم ما لا يلزم، وهو ركّز على تقدير الجهود الدولية والإقليمية، والمطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل، والتشديد على الوحدة الوطنية والحوار الداخلي، لم يكن سوى تموضع سياسي متأخر يواكب نهاية الحرب لا مسارها، من دون أن يعكس أي حضور فعلي لها خلال المواجهة، ما يسلّط الضوء على اختلال عميق في خياراتها السياسية خلال المرحلة الماضية.

ذلك أن مسار الانكفاء لم يبدأ مع الحرب، بل سبقها، قبل أن يبلغ ذروته خلالها، مع انتقال مركز الثقل القيادي إلى الخارج وتراجع القدرة على المبادرة. ويبرز في هذا السياق خروج أمينها العام الشيخ محمد طقوش من الداخل اللبناني الى تركيا، في لحظة مفصلية، ما شكّل مؤشراً إضافياً على اهتزاز البنية القيادية.

ومع تصاعد حدّة المواجهة واتساع رقعتها، غابت الجماعة بشكل شبه كامل عن المشهد، رغم مشاركتها في جولات سابقة تحت عنوان "إسناد غزة". هذا الغياب لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس تحوّلاً بنيوياً في موقعها، بعدما كانت تحاول تثبيت دور لها على هامش معادلة "المقاومة"، قبل أن تنكفئ تدريجياً بفعل عوامل داخلية وخارجية متراكمة.

ويبدو أن الجماعة الإسلامية، دفعت ثمن الخط الذي بدأت تنتهجه منذ تولي طقوش الأمانة العامة، والتحاقه تماما بالمحور الايراني، وإعادة احياء الجناح العسكري "قوات الفجر" تحت قيادة "حزب الله"، خلال حرب اسناد غزة، ما جعلها تفقد الشرعية السنية، فلم يغفر لها قتال إسرائيل انصياعها لقيادة الحزب، بالنسبة للشارع السني. 

في هذا الإطار، برز اختفاء قيادات الصف الأول عن الداخل اللبناني، وفي مقدمتهم النائب عماد الحوت، الذي غاب كلياً عن الحركة السياسية والنيابية، بما في ذلك اجتماعات التكتل الذي ينتمي إليه. وسُجّل لاحقاً عدم دعوته إلى اللقاء البيروتي الذي عُقد في فندق فينيسيا في بيروت، رغم اعتراضه العلني، في حين تشير المعطيات إلى أنه يقيم في تركيا منذ بداية الحرب، إلى جانب عدد من القيادات المركزية.

هذا الواقع يعكس، إما انتقالاً فعلياً لمركز القرار إلى الخارج، أو حالة تجميد شبه كامل للنشاط السياسي الداخلي بانتظار اتضاح اتجاهات المرحلة الجديدة بعد الحرب.

تغييرات امنية.. وانكفاء خدمي

تنظيمياً، تكشف المعطيات عن تغييرات داخلية حساسة، أبرزها إبعاد مسؤول الجهاز الأمني مقداد قلاوون عن موقعه وإخراجه من المشهد، مقابل تعيين شخصية شمالية بديلة كانت قد أُقصيت سابقاً لأسباب وُصفت بـ"الأخلاقية"، قبل أن تعود اليوم لتتولى هذا الدور، في خطوة تعكس ارتباكاً واضحاً في إدارة الملفات الحساسة داخل الجماعة.

ولا يقتصر التراجع على البنية التنظيمية، بل يمتد إلى المجالين الاجتماعي والإغاثي، حيث تسجّل الجماعة انكفاءً غير مسبوق عن أي دور ميداني، رغم اتساع الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب، نتيجة توقف شبه كامل في مصادر التمويل الخارجي، التي كانت تشكّل ركيزة أساسية لعملها، ما أدى إلى تعطيل شبكاتها الإغاثية.

غياب ام اقصاء؟

وفي موازاة ذلك، يلف الغموض وضع جناحها العسكري، إذ انقطعت الاتصالات مع عدد من مسؤوليه، من دون صدور أي مؤشرات على إعادة تفعيله أو انخراطه في المواجهة.

غير أن التطور الأبرز يتصل بالأسئلة المتصاعدة داخل بيئة الجماعة نفسها، حول غياب شخصيات أساسية كانت تشكّل ركائز في بنيتها السياسية والدعوية، وفي مقدمتهم الأمين العام السابق عزام الأيوبي، ورئيس هيئة العلماء المسلمين أحمد العمري.

 وتشير معطيات إلى أن إقصاء هذين الاسمين جاء على خلفية اعتراضهما على الخيارات السياسية التي انتهجتها القيادة الحالية، ولا سيما الانخراط ضمن محور إيران، وهو ما انعكس لاحقاً في مواقف الجماعة الإقليمية، خصوصاً تجاه سوريا والرئيس أحمد الشرع، حيث سُجّل موقف سلبي ومتباعد، خلافاً لما كانت تتيحه سابقاً هوامش العلاقة غير المباشرة.

على المستوى الخارجي، تكشف معلومات خاصة عن تطور بالغ الدلالة، يتمثل في طلب السلطات السورية من مؤسسة "اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية" (URDA)، المرتبطة بالجماعة، وقف نشاطها داخل دمشق بشكل كامل، مع سحب إقامات العاملين فيها وإقفال مكاتبها نهائياً، ما يعكس انتقال الضغوط إلى مستوى إقليمي أوسع.

وتعكس هذه التطورات مجتمعة واقعاً جديداً تعيشه الجماعة الإسلامية، عنوانه التراجع المركّب في القدرة على الفعل السياسي والتنظيمي والمالي، في مرحلة ما بعد الحرب. فبين غياب القيادات، والانقسام الداخلي، وإعادة تشكيل الأجهزة، وتبدّل البيئة الإقليمية، تبدو الجماعة كأنها تبخرت، أو كما تقول العامية اللبنانية "لا علم ولا خبر". 

وباتت أمام مرحلة إعادة تعريف قاسية لدورها، إن لم تكن أمام اختبار وجودي فعلي، في ظل بيئة سنية تعاد صياغتها على وقع تحولات عميقة في لبنان والمنطقة.