بعد أن أدخل حزب الله لبنان في مسار الإسناد لإيران، وما ترتّب على ذلك من تكاليف باهظة، يُطرح تساؤل حول ما إذا كان الجنوب اللبناني قد دخل في دينامية مستدامة للاحتلال، تُبقي مستوى الأذى الواقع على الحزب ضمن حدّه الأدنى، في مقابل العمل على تكريس واقع جديد مفاده ضياع ما يزيد على 5% من مساحة لبنان.
فبمراجعة البيانات الصادرة عن حزب الله منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 17 نيسان، وتحديدًا خلال الفترة الممتدة بين 20 و26 نيسان 2026 — باعتبار أنّ الحزب أصدر بيانه العسكري الأول بعد سريان الهدنة في 20 نيسان — يتبيّن أنّه أصدر 22 بيانًا عسكريًا. وقد تفاوت عدد البيانات اليومية بين بيان واحد في بعض الأيام (20 و21 نيسان)، وصولًا إلى ذروة بلغت 6 بيانات في 23 نيسان، مع تسجيل 4 بيانات في 22 نيسان، و5 بيانات في كلٍّ من 24 و26 نيسان.
وفي ما يتصل بالقرى الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، تُظهر هذه البيانات ورود إشارات إلى «تدمير البيوت والقرى» في عدد منها، من دون أي ذكر صريح لمصطلح «احتلال القرى»، ما يعكس تركيزًا خطابيًا على النتائج الظاهرة للاحتلال أكثر من توصيفه الميداني المباشر.
كما يشير مضمون هذه البيانات إلى أنّ الردود العسكرية لـ«حزب الله» تُقدَّم ضمن إطار ردّ فعل على ما يُعتبر تجاوزًا لقواعد الاشتباك، ولا سيّما عند ما يُعدّ انتهاكًا لـ«الخط الأصفر»، خصوصًا عبر استهداف القرى والمناطق الواقعة خارج نطاق الحدود الجديدة. ويُشار إلى أنّ هذا الخط يضمّ أكثر من 56 قرية خاضعة للاحتلال، وتبلغ مساحته ما يزيد على 500 كيلومتر مربع. وبذلك، يُقدَّم سلوك الحزب على أنّه ردّ موضعي ومشروط بسلوك إسرائيل خارج هذا الخط، وليس كمحاولة لكسره أو تجاوزه.
في المقابل، يُظهر تحليل بيانات الجيش الإسرائيلي أنّ سلوكه العملياتي يتمحور حول تثبيت ما يسمّيه «خط الدفاع الأمامي» كحدّ فعلي للمواجهة. ويحدث التدخّل العسكري الإسرائيلي بصورة أساسية في ثلاث حالات: عند رصد اقتراب مقاتلي حزب الله من هذا الخط، أو عند رصد التحضير لعمليات إطلاق، أو عند تنفيذ عمليات إطلاق صواريخ أو مسيّرات باتجاه القوات المنتشرة في الجنوب. كما يتكرّر التأكيد على استهداف «خلايا إطلاق» و«منصّات جاهزة» و«بنى تحتية عسكرية»، إلى جانب اعتراض المسيّرات قبل عبورها إلى الشمال الاسرائيلي، ما يعكس مقاربة وقائية-استباقية ضمن نطاق جغرافي محدّد.
بناءً على ذلك، يتبيّن أنّ الطرفين يعتمدان مقاربتين مختلفتين لإدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ترتكزان على تعريفين متباينين لحدود الاشتباك: إذ يربط حزب الله ردوده بتجاوزات إسرائيل خارج «الخط الأصفر»، فيما تتعامل إسرائيل مع أي نشاط على مقربة من «خط الدفاع الأمامي» باعتباره تهديدًا مشروعًا للاستهداف. ويؤدّي هذا التباين إلى دينامية تصعيد مضبوطة جغرافيًا، تبقي المواجهة ضمن نطاق محدود، وإن كانت قابلة للاستمرار لفترة طويلة.
قد تكون هذه الدينامية مناسبة لـ«حزب الله» من أجل إضفاء شرعية لاحقة على سلاحه، انطلاقًا من تكريس واقع تعتبر فيه الأرض المحتلة أمرًا واقعًا، بما يتيح إعادة إنتاج مبرّرات بقاء السلاح ضمن معادلة قائمة على استمرار التهديد ووجود مناطق متنازع عليها.