تتجدّد في لبنان، وخصوصاً داخل البيئة الحاضنة لـحزب الله، حملات التخوين والترهيب بحق كل من يخرج عن الخطاب السياسي السائد أو يجرؤ على توجيه انتقاد علني للحزب، حتى وإن جاء هذا الانتقاد من داخل البيئة نفسها. فبدلاً من فتح مساحة للنقاش الداخلي حول القرارات المصيرية التي دفعت لبنان إلى أزمات وحروب متلاحقة، تتحول أي ملاحظة أو اعتراض إلى "تهمة" جاهزة: العمالة، الخيانة، أو الخروج عن الجماعة.
وفي أحدث هذه الوقائع، عادت قضية صاحب محلات "حلويات الشرق" وفيق جابر إلى الواجهة، بعدما عُلّقت على باب أحد فروع المحل لافتة تحمل تغريدة سابقة له مع "#لن_ننسى"، في خطوة اعتبرها كثيرون رسالة ترهيب علنية وتحريضاً مباشراً ضده، مع اتهامه بأنه "اعترف بإسرائيل" وأنه "لا مكان له بين البيئة". الحادثة لم تكن مجرد تعبير عن غضب سياسي، بل بدت امتداداً لحملة منظمة من التخوين الاجتماعي والعزل المعنوي بحق رجل عبّر عن رأي سياسي مخالف.
وتأتي هذه الحملة بعد شهر من حادثة أكثر خطورة، حين تعرّض محل "حلويات الشرق" في منطقة حارة حريك لإطلاق نار في الرابع من آذار، وذلك بعد يومين فقط من منشور نشره جابر انتقد فيه إطلاق الصواريخ وما اعتبره إدخالاً للبنان في الحرب. يومها، أثار الهجوم مخاوف واسعة من تحوّل التحريض السياسي إلى تهديد أمني مباشر ضد الأفراد والمؤسسات التجارية، خصوصاً داخل مناطق تُعتبر خاضعة لنفوذ الحزب.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الذي واجهه، نشر وفيق جابر توضيحاً أكد فيه أنه "ابن هذه البيئة" وأنه ينتمي إليها مع عائلته وعشيرته، مشدداً على أنه قدّم التضحيات إلى جانبها وعبّر عن رأيه من منطلق الخوف على لبنان وعلى الناس. وأوضح أن انتقاده جاء نتيجة شعوره بأن بعض الخطوات العسكرية لم تكن ضمن "سياق استراتيجي واضح ومدروس"، نافياً أن يكون موقفه انتقاصاً من "المقاومة" أو من التضحيات التي قُدمت في مواجهة الاحتلال.
لكن رغم هذا التوضيح، استمرت حملات التحريض ضده، ما يعكس طبيعة الأزمة الأعمق داخل البيئة المؤيدة للحزب، حيث يبدو أن مجرد إبداء التساؤل أو التحفظ بات يُقابل بعقوبات اجتماعية ومعنوية قاسية، حتى لو صدر عن أشخاص لطالما اعتبروا أنفسهم جزءاً من هذه البيئة السياسية والاجتماعية.
هذه الظاهرة تكشف تصاعد حالة الانغلاق السياسي داخل بيئة حزب الله، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة وما رافقها من خسائر بشرية واقتصادية هائلة في لبنان. فبدلاً من السماح بنقاش داخلي حول جدوى القرارات العسكرية وانعكاساتها على اللبنانيين، يجري التعامل مع أي رأي مخالف باعتباره تهديداً للوحدة الداخلية أو "طعناً بالمقاومة".
ولا تقتصر خطورة هذه الحملات على بعدها السياسي فقط، بل تمتد إلى بعدها الاجتماعي والنفسي، إذ تؤدي إلى خلق مناخ خوف يدفع كثيرين إلى الصمت وتجنب التعبير عن آرائهم، خشية التعرض للتشهير أو المقاطعة أو حتى الاستهداف المباشر. ومع تكرار هذه الحوادث، تتزايد الأسئلة حول حدود حرية التعبير داخل البيئات الحزبية المغلقة، وحول قدرة اللبنانيين على انتقاد القوى السياسية المسلحة من دون التعرض لحملات تخوين أو تهديد.