تشهد سوريا تحوّلاً نوعياً لا يقل أهمية، يتمثل في إطلاق مسار العدالة الانتقالية بشكل علني ومؤسساتي. المحاكمة التي انطلقت في دمشق، والتي شملت رموزاً من النظام السابق وعلى رأسهم اللواء في النظام السابق عاطف نجيب، لا تحمل بعداً قضائياً فحسب، بل تؤسس لمرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة بناء الشرعية على قاعدة المساءلة.
أهمية هذه الخطوة تكمن في ثلاثة مستويات:
- أولاً، كسر منطق الإفلات من العقاب الذي حكم الدولة السورية لعقود، عبر نقل الملفات من الإطار الأمني إلى الإطار القضائي. ظهور المتهمين في قفص الاتهام، بحضور ضحايا ومحامين وإعلام، يشكل تحوّلاً رمزياً عميقاً في علاقة الدولة بالمجتمع.
- ثانياً، بناء إطار مؤسساتي للعدالة، من خلال تشكيل فرق تحقيق وهيئات قضائية متخصصة، تعمل وفق القانون السوري، مع إدخال عناصر من المعايير الدولية. هذا يعكس محاولة لتفادي سيناريو “العدالة الانتقامية”، والانتقال نحو نموذج تدريجي يقوم على التوثيق والمحاسبة.
- ثالثاً، توظيف هذا المسار سياسياً لإعادة تموضع سوريا إقليمياً. فإطلاق العدالة الانتقالية يمنح القيادة السورية الجديدة ورقة قوة في مواجهة الضغوط الخارجية، عبر تقديم نفسها كشريك قابل للاندماج في النظام الإقليمي والدولي، وليس كامتداد للنظام السابق.
لكن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فغياب عدد من المتهمين الأساسيين، وعلى رأسهم بشار وماهر الأسد، يطرح سؤالاً حول حدود العدالة الممكنة. كذلك، فإن حساسية الملفات، خصوصاً تلك المرتبطة بأحداث درعا 2011، تجعل من كل جلسة محاكمة اختباراً سياسياً بقدر ما هي إجراء قضائي.
ورغم ذلك، فإن مجرد انطلاق هذا المسار يشير إلى تحول استراتيجي في سوريا: من دولة تدير الصراع عبر الأمن، إلى دولة تحاول إعادة إنتاج نفسها عبر القانون.