في أعقاب حادثة استهداف الصحافية آمال خليل في بلدة الطيري جنوب لبنان، عاد ملف استهداف الإعلاميين خلال الحرب إلى الواجهة مجددًا، وسط تصاعد التساؤلات حول جدية المسار القانوني اللبناني في ملاحقة هذه الجرائم أمام المحافل الدولية، وحول ما إذا كان يمكن تحويل الإدانات السياسية إلى خطوات قضائية فعلية تحفظ دماء الصحافيين وتضع حدًا لنهج الاستهداف المتكرر.
وعاد هذا الملف إلى الواجهة بعد التلميحات الأخيرة لرئيس الحكومة القاضي نواف سلام، الذي شغل منصب رئيس محكمة العدل الدولية سابقًا، الذي وعد، في منشور له عبر منصة "اكس"، إلى ضرورة متابعة الجرائم المرتكبة بحق الإعلاميين أمام المحافل الدولية المختصة، ما فتح باب التساؤل حول ما إذا كان لبنان يمكن أن يعيد طرح مسألة الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في المرحلة الحالية. في ظلّ كون لبنان غير منضم، وهو ما يُعدّ المانع أمام ملاحقة الجرائم المرتكبة خلال الحرب.
ويُربط هذا الامتناع عن الانضمام بمخاوف سياسية داخلية من أن فتح هذا المسار قد يتيح إمكانية ملاحقة عناصر حزب الله.
في هذا السياق، وفي حديث خاص لـ"كواليس"، يقول فاروق مغربي، المستشار القانوني لاتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إن رئيس الحكومة نواف سلام مُطالب بوضع خطوة الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية على جدول أعمال مجلس الوزراء، مضيفًا: "حينها فقط نعرف من هو مع ومن هو ضد، ولا يعود بإمكان أي طرف التذرع بخطاب الانقسام". ويشير مغربي إلى أن تجارب سابقة أظهرت أن القرارات الكبرى تُتخذ، مثل قرار 5 و7 آب المتعلق بنزع سلاح حزب الله، وكذلك قرار 2 آذار باعتبار الحزب مجموعة خارجة عن القانون.
ويضيف مغربي أن أحد أبرز العوائق أمام الذهاب إلى المسار الدولي هو الخوف من الضغوط الخارجية، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي تفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية نفسها، ما يجعل بعض الأطراف السياسية اللبنانية مترددة في فتح هذا الباب. ويرى أن اللجوء إلى المحافل الدولية التقليدية، مثل مجلس الأمن، لم يعد خيارًا فعّالًا، بل هو "نموذج شكوى توفيقي" لا يفضي إلى نتائج حقيقية، بحسب تعبيره، في حين أن المسار القانوني الوحيد القادر على إصدار مذكرات توقيف ومحاسبة فعلية هو المحكمة الجنائية الدولية، بما يشمل قادة وضباطًا ومسؤولين إسرائيليين، على غرار ما جرى في ملفات الحرب على غزة.
وفي المقابل، تتصاعد المواقف الرسمية اللبنانية المنددة باستهداف الصحافيين. فقد أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون، أن قيام إسرائيل باستهداف الإعلاميين يهدف إلى إخفاء حقيقة ما ترتكبه من اعتداءات ضد لبنان، معتبرًا أن هذه الأفعال ترقى إلى "جرائم ضد الإنسانية" تستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا.
لكن على العكس من سلام، لم يشر عون الى تحريك مسار قضائي دولي.
ويشدّد مغربي على أن بارقة الأمل الوحيدة حاليًا تكمن في لجنة القانون الدولي الإنساني التي يترأسها نائب رئيس الحكومة طارق متري، والتي تعمل على متابعة بعض الملفات الحقوقية ومحاولة إبقاء المسار القانوني حيًّا، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي تحرك يبقى محدودًا ما لم يُتخذ قرار سياسي واضح وحاسم من الدولة اللبنانية، لأن "القانون وحده لا يكفي من دون إرادة سياسية تدعمه".
لكن هذه المواقف تصطدم بواقع قانوني معقد، إذ إن لبنان ليس عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، ما يحد من قدرته على إحالة الملفات مباشرة إليها. وكان هذا الملف قد شهد تطورًا لافتًا في نيسان 2024، عندما اتخذت حكومة نجيب ميقاتي قرارًا بقبول اختصاص المحكمة للتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية، قبل أن تتراجع عن القرار في أيار من العام نفسه، تحت ضغوط سياسية وتخوفات من أن يؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام ملاحقة أطراف لبنانية داخلية، بما فيها عناصر من حزب الله، في ملفات أخرى.
هذا التراجع، أعاد تجميد المسار القانوني الدولي، وترك ملف استهداف الصحافيين في دائرة الإدانة السياسية من دون أفق قضائي واضح. ومع استمرار سقوط أسماء جديدة من الإعلاميين على أرض الجنوب، يبقى السؤال مطروحًا: هل ينجح لبنان في الانتقال من خطاب الإدانة إلى مسار المحاسبة الدولية، أم يبقى الصحافيون في قلب النزاع بلا حماية قانونية فعلية؟