لم تكن الحرب الدائرة مجرّد مواجهة عسكرية تنعكس على الجبهات فقط، بل تحوّلت سريعاً إلى ضربة قاسية لواحد من آخر القطاعات التي كانت تُبقي الاقتصاد اللبناني على قيد الحياة: القطاع السياحي. فبين إلغاء الحجوزات، وغياب السيّاح، وارتفاع أسعار السفر بشكل جنوني، يبدو أن هذا القطاع يمرّ اليوم في واحدة من أسوأ مراحله التاريخية.
في هذا السياق، يكشف رئيس نقابة أصحاب مكاتب السياحة والسفر في لبنان جان عبود، في بيان صدر قبل أيام، عن أرقام صادمة، إذ يشير إلى تراجع حركة القطاع بنسبة تقارب 80% نتيجة الحرب. هذا الرقم لا يعكس فقط انخفاضاً في عدد السياح، بل انهياراً شبه كامل في دورة العمل، حيث باتت مكاتب السفر تقتصر مهامها على إلغاء الحجوزات أو تعديلها، بدل تنظيم الرحلات واستقطاب الزوار.
فهرس المحتوى [إظهار]
من "أمل التعافي" إلى "إدارة الخسائر"
قبل اندلاع الحرب، كان لبنان يراهن على موسم سياحي واعد، خصوصاً بعد مؤشرات خجولة على التعافي في صيفي 2022 و2023، حيث عاد بعض المغتربين والسياح العرب. لكن هذه الآمال سرعان ما تلاشت، مع دخول البلاد في دوامة التصعيد العسكري، ما أعاد القطاع إلى نقطة الصفر.
في الواقع، لم يخرج القطاع السياحي أصلاً من أزماته السابقة. فمنذ الانهيار الاقتصادي عام 2019، مروراً بجائحة كورونا التي شلّت حركة السفر عالمياً، وصولاً إلى التوترات الأمنية المتكررة، كان هذا القطاع يتلقى الضربة تلو الأخرى. واليوم، تأتي الحرب لتشكّل "الضربة القاضية" لكثير من المؤسسات التي بالكاد صمدت.
الطيران… شريان مقطوع جزئياً
أحد أبرز مؤشرات تدهور السياحة هو وضع حركة الطيران. حالياً، تقتصر الرحلات بشكل أساسي على شركة طيران الشرق الأوسط MEA ، مع عدد محدود جداً من الرحلات التي تسيرها شركات مثل الخطوط الملكية الأردنية والخطوط الجوية التركية.
هذا الانكماش الحاد في حركة الطيران يعني عملياً عزل لبنان جزئياً عن العالم، ما ينعكس مباشرة على أعداد الوافدين.
لكن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد. فالحرب في المنطقة أدت إلى اضطراب واسع في المجال الجوي في الشرق الأوسط، مع إغلاق مساحات كبيرة منه، ما دفع شركات الطيران إلى تغيير مساراتها أو تعليق رحلاتها. النتيجة؟ ارتفاع أسعار بعض تذاكر السفر بنسبة وصلت إلى 900%، وهو رقم غير مسبوق يضع السفر خارج متناول شريحة واسعة من اللبنانيين والسياح على حد سواء.
أرقام إقليمية تعكس حجم الكارثة
ما يحدث في لبنان هو جزء من مشهد إقليمي أوسع. إذ يشير عبود إلى أن عدد الرحلات الملغاة في الشرق الأوسط تجاوز 23 ألف رحلة منذ اندلاع الحرب، من أصل نحو 36 ألف رحلة كانت مقررة. هذا يعني فقدان حوالي 4.4 ملايين مقعد للمسافرين، وهو ما يوضح حجم الشلل الذي أصاب قطاع الطيران، وبالتالي السياحة، في المنطقة ككل.
في المقابل، استفادت بعض شركات الطيران الآسيوية من هذا الواقع، نظراً لقدرتها على تشغيل رحلات طويلة لا تمر فوق الأجواء المضطربة في الشرق الأوسط، بينما تكبّدت شركات أخرى، خصوصاً الخليجية، خسائر نتيجة القيود الجوية.
خطر الإفلاس وفقدان الوظائف
الأخطر في كل ما سبق، ليس فقط الخسائر الحالية، بل ما قد يأتي لاحقاً. إذ يحذّر عبود من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى إفلاس وإقفال عدد كبير من مكاتب السياحة والسفر، ما يعني خسارة مئات اللبنانيين لوظائفهم في قطاع يُعتبر من أكثر القطاعات كثافة في اليد العاملة.
ولا يقتصر التأثير على مكاتب السفر فقط، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من القطاعات المرتبطة بالسياحة: الفنادق، المطاعم، شركات النقل، الأدلاء السياحيون، وحتى المتاجر الصغيرة. بمعنى آخر، نحن أمام انهيار “نظام اقتصادي متكامل” يعتمد بشكل كبير على حركة الزوار.
بين الصمود والانهيار
رغم هذا الواقع القاتم، يبرز دور شركة طيران الشرق الأوسط التي لا تزال تؤمّن الحد الأدنى من الربط الجوي للبنان، في محاولة للحفاظ على شريان حياة أساسي للبلد. لكن هذا الجهد، على أهميته، لا يكفي لإنقاذ قطاع بأكمله من الانهيار.
في الخلاصة، يبدو أن السياحة في لبنان لم تعد مجرد قطاع اقتصادي متضرر، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها البلد. فبين حرب مفتوحة، وأزمات متراكمة، وغياب أي أفق سياسي واضح، يبقى السؤال: هل يستطيع هذا القطاع النهوض مجدداً، أم أنه يتجه نحو خسارة طويلة الأمد قد تغيّر وجه الاقتصاد اللبناني لسنوات؟