القائمة
10:00 10 نيسان 2026
"خاص كواليس"

لبنان خارج الصفقة الكبرى… هدنة واشنطن وطهران تُثبّت الحرب على بيروت

وراء الكواليس

لم يكن ما جرى مجرد تزامن زمني بين إعلان وقف إطلاق النار الأميركي– الإيراني وبين التصعيد الإسرائيلي في لبنان، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة التفاهم نفسه وحدوده. ففي الوقت الذي أُعلن فيه عن هدنة يفترض أنها تُخفّف منسوب التوتر في المنطقة، كانت الطائرات الإسرائيلية ترسم واقعاً معاكساً بالكامل: لبنان ليس جزءاً من هذا الاتفاق، بل ربما أحد ميادين تعويضه.

خلال ساعات فقط، سقطت كل الفرضيات التي بُنيت على أن لبنان سيكون تلقائياً ضمن نطاق التهدئة. التصريحات المتناقضة، والنصوص المسرّبة، والتطمينات غير الرسمية، كلها اصطدمت بلغة الميدان التي قالت شيئاً واحداً: إسرائيل لا ترى نفسها ملزمة، وواشنطن لا تبدو مستعدة لفرض ذلك عليها.

بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق ناقصاً بقدر ما كان انتقائياً. فقد جرى تثبيت مسار تفاوضي مباشر بين واشنطن وطهران، بينما تُركت الساحات المرتبطة بهذا الاشتباك – وعلى رأسها لبنان – خارج الإطار التنفيذي، إما كأوراق ضغط أو كمساحات اختبار للقوة. وهنا تحديداً، تحوّل لبنان إلى الحلقة الأضعف: ساحة مفتوحة بلا ضمانات، وميداناً لتصفية الحسابات في لحظة إعادة رسم التوازنات.

فصل المسارات: اتفاق في مكان… وحرب في مكان آخر

الوقائع تشير بوضوح إلى أن ما يجري هو فصل منهجي بين المسارات. فواشنطن تسعى إلى احتواء المواجهة مع إيران ضمن سقف تفاوضي يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد – أو لا تستطيع – تقييد الحركة الإسرائيلية في لبنان. أما تل أبيب، فوجدت في هذا الهامش فرصة لتكريس معادلة جديدة: استمرار العمليات العسكرية بمعزل عن أي تفاهمات إقليمية.

هذا الفصل ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس رؤية استراتيجية أعمق. فإسرائيل تدفع باتجاه تثبيت أن الجبهة اللبنانية قضية مستقلة، مرتبطة مباشرة بأمنها القومي، وليست مجرد امتداد للصراع مع إيران. ومن هنا، فإن أي اتفاق مع طهران لا يلزمها تلقائياً في لبنان، بل قد يدفعها إلى تصعيد إضافي لفرض شروطها قبل أي مسار تفاوضي لاحق.

في المقابل، تبدو إيران في موقع أكثر تعقيداً. فهي دخلت التفاهم تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، وتسعى إلى تثبيت مكاسب مرحلية، لكنها لا تستطيع التخلي بسهولة عن أوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان. لذلك، يظهر سلوكها حتى الآن كنوع من “التجميد المشروط”: تهدئة على مستوى الاشتباك المباشر مع واشنطن، مقابل إبقاء ساحات النفوذ في حالة ترقب قابلة لإعادة الاشتعال.

لبنان: ساحة بلا مظلة

في الداخل اللبناني، تكشّف سريعاً أن البلاد تقف في موقع بالغ الهشاشة. فهي ليست طرفاً مباشراً في الاتفاق، لكنها تدفع ثمنه. الدولة تحاول اللحاق بالمسار التفاوضي عبر اتصالات دولية مكثفة، لكنها تفتقر إلى أدوات الضغط، فيما تتعامل إسرائيل مع الواقع الميداني كفرصة لإعادة هندسة الجنوب عسكرياً وأمنياً.

أما “حزب الله”، فيقف عند تقاطع حساس بين خيارين: الاستمرار في ضبط النفس لإفساح المجال أمام الاتصالات، أو العودة إلى التصعيد في حال ثبت أن لبنان مستبعد فعلياً من أي تسوية. هذا التردد ليس ضعفاً بقدر ما هو تعبير عن إدراك دقيق لطبيعة اللحظة: أي خطوة غير محسوبة قد تفجّر الاتفاق، لكن الصمت الطويل قد يكرّس معادلة جديدة على حسابه.

وفي هذا السياق، يصبح الجنوب اللبناني عملياً منطقة “تعليق استراتيجي”: لا حرب شاملة مكتملة، ولا تهدئة مستقرة، بل حالة استنزاف مفتوحة تُدار بالنار والرسائل المتبادلة.

الإقليم يعيد التموضع: تهدئة كبرى… وفوضى موضعية

على المستوى الإقليمي، يبدو أن الاتفاق الأميركي–الإيراني جزء من محاولة أوسع لإعادة ترتيب أولويات المنطقة. دول الخليج تنظر إليه كفرصة لخفض التوتر وحماية أمن الطاقة والملاحة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استبعاد لبنان قد يحوّله إلى مصدر عدم استقرار دائم. لذلك، تنشط قنوات التواصل الخليجية – إلى جانب تركيا ومصر – لمحاولة توسيع نطاق التهدئة أو على الأقل احتواء تداعياتها.

في المقابل، تراقب هذه الدول بحذر السلوك الإيراني، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة مضيق هرمز وملف الطاقة. فالاتفاق، رغم طابعه العسكري–الأمني، يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية عميقة، تتعلق بتدفق النفط والغاز، واستقرار الأسواق العالمية، وربما إعادة توزيع الأدوار في إدارة هذه الملفات.

تركيا بدورها ترى في هذه اللحظة فرصة لتعزيز دورها كوسيط وممر للطاقة، فيما تسعى مصر إلى تثبيت موقعها كفاعل إقليمي في إدارة التوازنات، خصوصاً في ظل المخاوف من تمدد الفوضى نحو شرق المتوسط.

دولياً: اتفاق معلن… وتفاهمات مخفية

أما على المستوى الدولي، فإن ما يظهر إلى العلن لا يعكس بالضرورة حقيقة ما جرى التفاهم عليه. فالتجارب السابقة تشير إلى أن اتفاقات بهذا الحجم تُبنى على طبقات متعددة: نصوص معلنة للاستهلاك السياسي، وتفاهمات غير معلنة ترسم الإطار الحقيقي.

في هذا السياق، تبرز مؤشرات إلى أن الاتفاق لا يقتصر على وقف النار، بل يمتد إلى ملفات أوسع، من أمن الملاحة في الخليج إلى مستقبل العقوبات، وربما إعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وطهران على أسس جديدة. وهذا ما يفسّر جزئياً سبب تجاهل الساحة اللبنانية في المرحلة الأولى: لأنها ببساطة لم تكن ضمن أولويات اللحظة، أو لأنها تُركت كورقة تفاوض لاحقة.

خلاصة المشهد: لبنان كورقة لا كلاعب

ما يتكرّس اليوم هو واقع شديد القسوة: لبنان ليس جزءاً من الصفقة، لكنه أحد ميادينها. حاضر في الحرب، غائب عن التفاوض، ومعلّق بين مسارين لا يلتقيان.

أمام هذا الواقع، تتبلور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

١- إما أن تنجح الضغوط الدولية في فرض توسيع الهدنة لتشمل لبنان، 

٢-  يستمر الفصل بين المسارات بما يكرّس الحرب كأمر واقع طويل الأمد، 

٣- ينهار الاتفاق نفسه تحت وطأة التناقضات، لتعود المنطقة إلى نقطة الصفر.

لكن حتى تتضح الصورة، يبقى الثابت الوحيد أن ما جرى ليس تفصيلاً عابراً، بل إعادة تعريف لدور لبنان في المعادلة الإقليمية: من ساحة اشتباك إلى ورقة ضغط… ومن ملف مستقل إلى هامش داخل صفقة أكبر تُكتب شروطها في مكان، وتُنفّذ نتائجها في مكان آخر.