القائمة
10:36 09 نيسان 2026
"خاص كواليس"

لبنان خارج الهدنة: إسرائيل تفتح "الظلام الأبدي".. ومعادلة النار تفرض ٣ مسارات

وراء الكواليس

دخل لبنان مرحلة مفصلية جديدة من التصعيد، مع تنفيذ إسرائيل موجة ضربات واسعة ومتزامنة استهدفت عشرات المواقع خلال وقت قياسي، في عملية حملت اسم "الظلام الأبدي"، وشكّلت عملياً انتقالاً من نمط الضغط المتدرج إلى نمط الصدمة النارية الشاملة. 

توزعت الضربات على كامل الجغرافيا اللبنانية، من بيروت والضاحية إلى الجنوب والبقاع، بما يعكس قراراً واضحاً بإلغاء أي تمييز بين ساحات الاشتباك، وفرض معادلة استهداف مفتوح ضمن بيئة مدنية كثيفة. أما المعطى الأبرز فكان أن هذا التصعيد جاء مباشرة بعد إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ما يكشف أن إسرائيل قررت التعامل مع الهدنة كنافذة عملياتية وليس كقيد ميداني. 

عملياً، تم فصل الساحة اللبنانية عن مسار التهدئة الإقليمي، رغم أن الصياغات الأولية للاتفاق – وفق مصادر دبلوماسية متعددة – لـ"كواليس"، أكدت شمول لبنان ضمن إطار التهدئة، وهو ما تبلغه الجانب اللبناني عبر أكثر من قناة، بينها اتصال إيراني مباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.

إلا أن القراءة الإسرائيلية للاتفاق اتجهت نحو عكس ذلك بالكامل: بنيامين نتنياهو حسم منذ اللحظة الأولى أن لبنان خارج أي التزام، وترجم هذا الموقف عبر توسيع بنك الأهداف بشكل غير مسبوق، مع مؤشرات واضحة إلى أن ما جرى ليس ضربة محدودة، بل بداية مرحلة عملياتية تمتد لأيام.

تعكس التهديدات الصادرة عن وزير الأمن الإسرائيلي، والتسريبات الإعلامية حول نية مواصلة الضربات من دون إنذار، توجهاً نحو فرض وقائع ميدانية سريعة قبل أن تستعيد المسارات الدبلوماسية زخمها.

ثلاثة أهداف عسكرية

في البعد العسكري، تعكس طبيعة الضربات استخدام كثافة نارية عالية خلال فترة زمنية قصيرة، وهو أسلوب يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة:

١- إرباك منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله،

٢- إحداث صدمة داخل البيئة الحاضنة، 

٣- فرض ضغط مباشر على الدولة اللبنانية لدفعها إلى الانخراط بشروط تفاوضية جديدة.

 كما أن توزيع الاستهدافات على مناطق مدنية وغير تقليدية يشير إلى توسيع قواعد الاشتباك باتجاه الضغط الشامل، وليس فقط ضرب القدرات العسكرية.

في المقابل، يظهر أن إيران تعاملت مع الاتفاق كمدخل لتجميد الجبهات المرتبطة بها، بما فيها لبنان، وهو ما يفسر الرسائل التي نُقلت إلى بيروت حول شمولها بالتهدئة. إلا أن استمرار الضربات الإسرائيلية وضع طهران أمام معادلة معقدة، إما الحفاظ على مسار التهدئة مع واشنطن، أو الانخراط مجدداً في التصعيد دفاعاً عن إحدى أهم ساحاتها الإقليمية. التهديدات الصادرة عن مؤسسات إيرانية، سواء عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو الانسحاب من الاتفاق، تعكس أن هذا التوازن لا يزال هشاً وقابلاً للانهيار.

على المستوى اللبناني الداخلي، بدا واضحاً وجود فجوة في التنسيق بين الدولة و"حزب الله" منذ الساعات الأولى لدخول الهدنة حيز التنيذ. الدولة تحركت سريعاً على خط الاتصالات الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار، مستندة إلى شبكة اتصالات مكثفة قادها رئيس الحكومة نواف سلام مع الأميركيين والسعوديين والقطريين والفرنسيين، في محاولة لتوسيع مظلة الضغط على إسرائيل وربط الساحة اللبنانية مباشرة بمسار الهدنة الإقليمية. 

كما افادت معلومات خاصة ب "كواليس" أن سلام أجرى مساء أمس اتصالاً مع وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، في إطار متابعة الدور الذي لعبته إسلام آباد في بلورة اتفاق وقف النار ومحاولة إعادة تثبيته على مستوى المنطقة.

في موازاة ذلك، تحرّك رئيس مجلس النواب نبيه بري على خط موازٍ، عبر تفعيل قنوات الاتصال مع الجانب الباكستاني ونقل معطيات ميدانية حول عدم التزام إسرائيل، بالتوازي مع تنسيق داخلي لنقل صورة موحدة إلى رئاسة الجمهورية والحكومة. هذا المسار يعكس محاولة لبناء ضغط دبلوماسي معاكس يستند إلى الدول التي ساهمت في إنضاج الاتفاق، لكن فعاليته تبقى مرهونة بالموقف الأميركي النهائي.

ثلاثة مسارات 

عملياً، يقف لبنان أمام ثلاثة مسارات محتملة:

-  الأول، نجاح الضغط الدولي في فرض التزام إسرائيلي بالتهدئة، وهو احتمال مرتبط بقرار أميركي مباشر؛

- الثاني، استمرار استفراد إسرائيل بالساحة اللبنانية مستفيدة من انشغال إيران بالمسار التفاوضي؛ 

- الثالث، انهيار اتفاق الهدنة بالكامل وعودة التصعيد الإقليمي الشامل، بما يعيد فتح كل الجبهات من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق.

في الخلاصة، ما جرى لا يمكن قراءته كتصعيد عابر، بل كإعادة تشكيل لقواعد الاشتباك في المنطقة. إسرائيل تحاول استثمار لحظة الهدوء النسبي مع إيران لفرض معادلة جديدة في لبنان بالقوة، فيما يختبر الأميركيون حدود قدرتهم على ضبط حليفهم، وتوازن إيران بين التفاوض والرد. أما لبنان، فيجد نفسه مرة جديدة في قلب تقاطع هذه المسارات، لكن هذه المرة من دون هامش مناورة واسع، وتحت ضغط ميداني غير مسبوق لن يغير فيه استئناف الحزب لعمليات اطلاق الصواريخ ضد إسرائيل.