القائمة
03:22 04 أبريل 2026

وثيقة| جواد ظريف يقترح مبادرة لإنهاء الحرب والصفقة التي يمكن لطهران أن تقبل بها

عربية وإقليمية

تنشر "كواليس" هذا المقال الذي كتبه، جواد ظريف، المستشار السابق لرئيس الجمهورية الايراني الحالي مسعود بزشكيان، والذي أجبر على الاستقالة، والذي يعتبر بمثابة وثيقة قد تكون مبادرة غير مباشرة من قبل النظام الايراني لجس النبض الاميركي بخصوص التوصل لاتفاق ينهي الحرب على أسس راسخة.

فعلى الرغم من الخصومة بين الجناح المتشدد في النظام وعلى رأسه الحرس الثوري، وظريف، لكن الأخير ليس منشقا عن النظام، بل يمثل الجناح الأكثر اعتدالا وفهما لدور ايران بعيدا عن تأثير "الحرس"، وربما لهذا السبب، قد يكون القناة التي من الممكن ان تفتح ثغرة في جدار التفاوض بين ايران والولايات المتحدة.

وأهمية هذا المقال الذي يمكن وصفه بأنه مشروع مبادرة غير رسمية لوقف اطلاق النار، أن ظريف ما زال مقيما في طهران، وقد يؤشر الى انه ما زال قادرا على لعب أدوار مستقبلية في ايران بعد الحرب. وهذا ما يفسر أيضا اعتباره ما يحصل "نصرا" يجب استغلاله للتوصل لاتفاق لا لمواصلة الحرب، لكن التدقيق بما يقترحه من بنود يعكس بوضوح الهزيمة التي مني بها نظام الملالي.

أدناه النص الكامل للمقال مترجما عن مجلة "فورين أفيرز الاميركية" يوم ٣ نيسان الجاري:

 

لم تبدأ إيران حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن بعد أكثر من شهر على اندلاعها، تبدو الجمهورية الإسلامية بوضوح في موقع المنتصر. فقد أمضت القوات الأميركية والإسرائيلية أسابيع وهي تقصف الأراضي الإيرانية بشكل متواصل، ما أدى إلى مقتل آلاف الأشخاص وتدمير مئات المباني، أملاً في إسقاط نظام الحكم. ومع ذلك، صمدت إيران ونجحت في الدفاع عن مصالحها. فقد حافظت على استمرارية القيادة رغم اغتيال عدد من كبار مسؤوليها، وردّت مراراً على مهاجميها رغم استهداف منشآتها العسكرية والمدنية والصناعية. وهكذا، يجد الأميركيون والإسرائيليون الذين بدأوا النزاع على وقع أوهام فرض الاستسلام أنفسهم عالقين في مستنقع بلا استراتيجية خروج، فيما حقق الإيرانيون إنجازاً تاريخياً في الصمود.

بالنسبة إلى بعض الإيرانيين، يشكّل هذا النجاح سبباً للاستمرار في القتال حتى معاقبة المعتدين بشكل كافٍ، بدلاً من البحث عن تسوية تفاوضية. فمنذ 28 شباط، تتجمع حشود كبيرة كل ليلة في أنحاء البلاد مرددة: “لا للاستسلام، لا للتسوية، القتال مع أميركا”. إذ أثبتت الولايات المتحدة، في نظرهم، أنها غير جديرة بالثقة ولن تحترم سيادة إيران. وبحسب هذا المنطق، لا مبرر للانخراط معها الآن، بل يجب على طهران مواصلة الضغط عبر استهداف القواعد الأميركية وتعطيل التجارة في مضيق هرمز إلى أن تغيّر واشنطن سلوكها الإقليمي جذرياً.

إلا أن استمرار القتال، رغم ما قد يحمله من إشباع نفسي، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار في الأرواح والبنية التحتية. فبعد فشلها في تحقيق أهدافها، بدأت هذه الأطراف باستهداف مواقع حيوية في مجالات الأدوية والطاقة والصناعة، إلى جانب ضرب المدنيين عشوائياً. كما أن العنف يجذب تدريجياً دولاً أخرى، مهدداً بتحويل النزاع الإقليمي إلى حرب عالمية. والأسوأ أن المنظمات الدولية تعرضت لضغوط أميركية حالت دون إدانة هذه الانتهاكات، بما في ذلك مقتل نحو 170 طفلاً في اليوم الأول من الحرب.

لذلك، على طهران أن تستثمر تفوقها لا لمواصلة القتال، بل لإعلان النصر والدخول في صفقة تنهي هذا النزاع وتمنع اندلاع آخر. ويمكنها أن تعرض فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع جميع العقوبات، وهو عرض كانت واشنطن ترفضه سابقاً وقد تقبله الآن. كما يمكن لإيران أن توافق على اتفاق عدم اعتداء متبادل مع الولايات المتحدة، وأن تفتح الباب أمام تعاون اقتصادي يعود بالفائدة على الشعبين. هذه الخطوات ستسمح للمسؤولين الإيرانيين بالتركيز على تحسين الأوضاع الداخلية بدلاً من مواجهة التهديدات الخارجية، وتمهّد لمستقبل أفضل للإيرانيين.

رغم موقعه الضعيف، أو ربما بسببه، يواصل دونالد ترامب إصدار تصريحات متناقضة بشأن المفاوضات. ففي خطاب ألقاه الأربعاء، هدد بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، وفي الوقت نفسه كرر أن الحملة العسكرية ستنتهي خلال أسابيع. إلا أن الإدارة الأميركية تبدو قلقة من ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب، ما يجعل هذا الاتفاق مخرجاً مناسباً لترامب، وقد يحوّل خطأه الاستراتيجي إلى فرصة لإعلان نصر سياسي.

اقتناص النصر

يشعر الإيرانيون بغضب عميق تجاه الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب الحرب الحالية، بل نتيجة تاريخ طويل من خيبات الأمل. فقد ساعدت إيران واشنطن ضد القاعدة بعد هجمات 11 أيلول، لكن الرئيس جورج بوش صنفها لاحقاً ضمن “محور الشر”. كما التزمت طهران بدقة بالاتفاق النووي عام 2015، دون أن تحصل على الفوائد الاقتصادية الموعودة. ثم انسحب ترامب من الاتفاق وفرض عقوبات قاسية، استمرت حتى في عهد جو بايدن.

وعند عودة ترامب إلى الحكم، بدا أن واشنطن تسعى لاتفاق جديد، لكن سرعان ما اتضح عكس ذلك. إذ أرسل مبعوثين يفتقرون للخبرة، وفشلوا في فهم عروض إيران، قبل أن تبدأ الحملة العسكرية الواسعة.

نتيجة لذلك، يرى كثير من الإيرانيين أن إنهاء الحرب عبر الدبلوماسية أمر مرفوض. لكن رغم ذلك، فإن استمرار الحرب سيؤدي إلى خسائر أكبر دون تغيير في ميزان القوى. كما أن التصعيد قد يفضي إلى غزو بري أميركي، وهو خيار مكلف للطرفين. وحتى لو انسحبت واشنطن، فلن تتمكن إيران من جني كامل ثمار صمودها دون اتفاق.

في حال التفاوض، هناك خياران: وقف إطلاق نار، أو اتفاق سلام شامل. ورغم أن وقف إطلاق النار يبدو أسهل، إلا أنه سيكون هشاً، لأن جذور الخلاف ستبقى قائمة. لذلك، ينبغي السعي إلى اتفاق شامل ينهي عقوداً من التوتر.

وقد أظهرت الحرب حقائق جديدة: أن الولايات المتحدة غير قادرة على تدمير القدرات النووية أو الصاروخية لإيران، وأن “محور المقاومة” لم ينهَر. كما أثبتت أن الاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن الإقليمي خيار خاسر، بعدما تحولت دول المنطقة إلى ساحات حرب.

في المقابل، على إيران أن تدرك أن برنامجها النووي لم يردع الهجمات، بل استُخدم ذريعة لها. كما أثبتت التجربة أن القوة الحقيقية تكمن في صمود الشعب الإيراني.

التحضير للسلام

تعني هذه المعطيات أن أي اتفاق يجب أن يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل. في المرحلة الأولى، يجب وقف القتال وفتح مضيق هرمز أمام الجميع، بما في ذلك إيران. كما ينبغي السماح ببيع النفط الإيراني بحرية.

وفي المرحلة التالية، يمكن التوصل إلى اتفاق دائم، يشمل التزامات نووية من إيران مقابل رفع العقوبات. كما يمكن إنشاء آلية إقليمية مشتركة لتخصيب الوقود النووي، بمشاركة دول عدة.

كذلك، يمكن تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين إيران والولايات المتحدة، وتمويل إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بما في ذلك تعويض المدنيين.

وأخيراً، ينبغي توقيع اتفاق عدم اعتداء دائم، واستئناف العلاقات الدبلوماسية والخدمات القنصلية.

رغم صعوبة التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، إلا أن هذه الحرب فتحت الباب أمام تسوية طويلة الأمد. فالإيرانيون أثبتوا صمودهم، والولايات المتحدة أدركت أن النظام الإيراني لن يسقط. وبينما تستمر التوترات، يبقى أن التاريخ يذكر أولئك الذين يصنعون السلام.