القائمة
11:02 01 نيسان 2026

مانشيت| انسحابات الجيش تترك الجنوب أمام اجتياح قد يلامس صور... ولبنان خارج الافق التفاوضي

لبنان

لبنان لم يعد طرفاً يملك قراره في هذه الحرب، بل تحوّل إلى ساحة تتقاطع فوقها استراتيجيتان متناقضتان تُداران من خارج حدوده. فمن جهة، يربط “حزب الله” مسار المواجهة بمآلات الحرب على إيران، واضعاً أي مسار تفاوضي في مرحلة لاحقة لما سيُحسم إقليمياً، ومتبنّياً منطق أن الميدان هو الذي يفرض شروط السياسة. في المقابل، تمضي إسرائيل في مقاربة معاكسة، تفصل فيها بين الجبهات، وتتعامل مع لبنان كملف مستقل يجب حسمه بالكامل، عبر نزع سلاح الحزب وفرض واقع أمني جديد بالقوة، سواء من خلال التوسّع الميداني أو إعادة تشكيل البيئة الجغرافية–العسكرية في الجنوب.

هذا التباين لا يفتح مجالاً للتسويات بل يُقفلها. فبين ربط المسارات الذي يؤجّل أي حل، ومنطق الحسم الذي يرفض أي تسوية جزئية، تتراجع المبادرات الدولية إلى مستوى إدارة الوقت، فيما يتكرّس الميدان كعامل إطالة للصراع لا أداة لإنهائه. وفي هذا السياق، لا يبدو لبنان مرشحاً ليكون طرفاً في أي مفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران، بل ملفاً ملحقاً يُبحث ضمن سلة أوسع. إذ إن الموقف الأميركي لا يزال واضحاً بعدم وقف الحرب الإسرائيلية قبل حسم ملف “حزب الله”، مع تأكيد أن أي تفاهم مع إيران لن ينسحب تلقائياً على الساحة اللبنانية. في المقابل، تتعامل طهران مع لبنان كجزء عضوي من معركتها، ما يعني أن حضوره في أي تفاوض سيكون عبرها لا عبر دولته.

ميدانياً، يعكس قرار سحب الجيش اللبناني من القرى الحدودية في رميش وعين إبل ودبل وبيت ياحون تحوّلاً بالغ الدلالة في ميزان السيطرة والحماية جنوباً، مع تصاعد المؤشرات إلى احتمال توسّع العمليات الإسرائيلية نحو عمق إضافي قد يتجاوز خطوط الاشتباك التقليدية وصولاً إلى تخوم صور. الانسحاب، الذي جاء تحت ضغط التهديدات وخشية الحصار، يكشف حدود قدرة الدولة على تثبيت حضورها العسكري في لحظة تتقدّم فيها الوقائع الميدانية على أي غطاء سياسي أو تفاهمات دولية. وفي موازاة ذلك، يفتح هذا التطوّر الباب أمام تحوّل نوعي في سلوك هذه القرى، مع تزايد الحديث عن طلب حماية دولية، بما يعكس انتقالاً من التعويل على الدولة إلى البحث عن مظلّة خارجية في ظل شعور متنامٍ بالانكشاف، في وقت يتمسّك فيه الأهالي بخيار البقاء ورفض تحويل مناطقهم إلى فراغ أمني.

في المحصلة، يقف لبنان أمام مشهد مركّب: دولة تُرفض مبادرتها للتفاوض المباشر والفوري وهي خطوة جريئة كم قبل رئيسي الجمهورية والحكومة ، وساحة مفتوحة أمام حرب قد تطول، ومجتمع يدفع كلفة التصعيد بلا أفق واضح. فالمسار الحالي لا يشير إلى نهاية تقليدية على غرار الجولات السابقة، بل إلى محاولة فرض معادلة جديدة بالقوة، تُعيد رسم التوازنات الداخلية والإقليمية معاً.

إقليمياً، يتزامن هذا المشهد مع حراك يعكس إدراكاً متزايداً بأن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل شاملة. فقد حمل اجتماع جدة بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وملك الأردن عبدالله الثاني مؤشرات تتجاوز التنسيق التقليدي، نحو طرح مبادرات لخفض التصعيد ووقف الحرب وإعادة إحياء المسار التفاوضي، بالتوازي مع بحث إقامة شراكات استراتيجية مع قوى إقليمية كتركيا وباكستان وإندونيسيا، في محاولة لبناء منظومة أمنية–سياسية بديلة بعد انهيار التوازنات السابقة. كما تندرج زيارة أمير قطر إلى أبوظبي في إطار ترتيب البيت الخليجي وطيّ صفحة التباينات، تمهيداً لتوحيد الموقف في مواجهة المرحلة المقبلة.

أما في سوريا، فتشير المعطيات إلى استمرار دمشق في إعادة ضبط ساحتها الداخلية، من خلال تفكيك شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وذات صلة عملياتية بحزب الله، كانت تعمل على نقل السلاح والعتاد نحو الجنوب السوري، في خطوة تعكس توجهاً لتقليص هوامش النفوذ الإيراني وضبط استخدام الأراضي السورية ضمن معادلة الصراع.

بين هذه المسارات المتوازية، يبدو أن ما يجري لم يعد حرباً على جبهة واحدة، بل إعادة رسم شاملة للمنطقة، يُعاد فيها تحديد مواقع الدول وحدود أدوارها، فيما يبقى لبنان في موقع المتلقي، لا الفاعل، داخل معادلة تُكتب خارج حدوده.