في لحظة دراماتيكية يتداخل فيها دوي الانفجارات مع همس الدبلوماسية السرية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق خطط استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران مؤقتاً، معلناً ما وصفه بـ"هدنة لخمسة أيام"، بالتزامن مع حديثه عن مفاوضات متقدمة حول "اتفاق من 15 نقطة". وبين تأكيد واشنطن أن المحادثات "مثمرة"، تضارب التقارير التي تشهير إلى نفي طهران القاطع وجود مفاوضات مباشرة، وأخرى تكشف انعقادها، يتضح أن المشهد يتجاوز مجرد تناقض إعلامي ليعكس صراعاً سياسياً يجري على حافة التصعيد، حيث يسعى كل طرف لإعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة.
حرب إيران وإسرائيل 2026
ويرى مراقبون أن قرار ترامب تأجيل ضرب محطات الطاقة الإيرانية لا يمثل تراجعاً بقدر ما يعكس تكتيكاً تفاوضياً ضمن سياسة "الضغط الأقصى الموجّه". فواشنطن تدرك أن تدمير قطاع الطاقة الإيراني بالكامل قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق النفط العالمية، وهو سيناريو قد يحمل تبعات اقتصادية ثقيلة حتى على حلفاء الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أفادت تقارير إعلامية بأن التحرك الأميركي جاء متزامناً مع جهود وساطة إقليمية قادتها تركيا ومصر وباكستان عبر نقل رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران خلال الأيام الماضية.
وبحسب ما أورده موقع Axios نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، فإن هذه الجهود قد تفضي إلى اجتماع رفيع المستوى يُرتب لعقده في العاصمة الباكستانية إسلام آباد خلال الأيام المقبلة. ويُتوقع أن يضم اللقاء رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، إضافة إلى جاريد كوشنر وربما نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
وتشير المعلومات إلى أن ويتكوف وكوشنر انخرطا بالفعل في مسار تفاوضي مع قاليباف، في مؤشر على تحرك دبلوماسي غير تقليدي. ويُنظر إلى قاليباف، وهو جنرال سابق في الحرس الثوري الإيراني وعمدة سابق لطهران، على أنه من الشخصيات المؤثرة داخل دائرة القرار الإيراني، كما يُعد قريباً من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي. وقد لعب دوراً بارزاً في إدارة الجهود الحربية الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة، كما كان من أوائل المسؤولين الذين ردوا على تهديدات ترامب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ملوّحاً بإمكانية ضرب مرافق الطاقة في المنطقة.
لكن المشهد ازداد تعقيداً بعد هذه التسريبات، إذ خرج قاليباف سريعاً لينفي تلك المعلومات. فقد كتب في منشور على منصة X أن "أي مفاوضات مع الولايات المتحدة لم تجرِ"، متهماً وسائل الإعلام بنشر "أخبار مزيّفة للتلاعب بأسواق المال والطاقة"، ومعتبراً أن واشنطن وإسرائيل تحاولان الهروب من المأزق الذي تواجهانه في الحرب.
اجتماع امريكا وايران
غير أن هذا النفي لم ينهِ الجدل. فقد نقلت وكالة Reuters عن مسؤول إيراني كبير أن واشنطن طلبت بالفعل عقد اجتماع مع قاليباف يوم السبت، لكن طهران لم تقدم رداً بعد. كما ذكرت مصادر إسرائيلية، بينها Channel 12، أن الاتصالات التفاوضية تدور بالفعل مع رئيس البرلمان الإيراني، فيما تحدثت تقارير أخرى عن احتمال عقد لقاء في إسلام آباد خلال هذا الأسبوع.
وفي موازاة ذلك، أفادت شبكة Fox News بأن محادثات تتعلق باتفاق محتمل مع إيران جرت مساء الأحد واستمرت لساعات، وشارك فيها المبعوثان الأميركيان ويتكوف وكوشنر مع نظراء إيرانيين.
من جانبه، أكد ترامب أن مبعوثه الخاص للشرق الأوسط ويتكوف ومستشاره كوشنر أجريا بالفعل محادثات "قوية جداً" مع الإيرانيين، مضيفاً أن هناك "نقاط اتفاق كبيرة" تم التوصل إليها، وأن احتمال التوصل إلى صفقة بات حقيقياً. لكنه لم يكشف عن هوية المسؤولين الإيرانيين المشاركين في تلك الاتصالات، مؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لم تتحدث مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
في المقابل، نفت طهران رسمياً صحة تصريحات ترامب. فقد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن تلك التصريحات تهدف إلى خفض أسعار الطاقة وكسب الوقت للمخططات الأميركية، مؤكدة أن إيران "لم تبدأ الحرب" وأن أي مبادرات لخفض التصعيد يجب أن تُوجَّه إلى واشنطن. كما نقلت وكالة فارس عن مسؤول إيراني تأكيده أن طهران "لا تجري أي اتصالات مع الولايات المتحدة سواء مباشرة أو عبر وسطاء".
غير أن المشهد لم يبقَ عند حدود النفي الكامل. فبعد ساعات من هذه التصريحات، كشفت وكالة تسنيم عن معطى لافت، إذ نقلت عن مصدر أمني إيراني أن هناك بالفعل "تبادلاً للرسائل" بين طهران وواشنطن. هذا التصريح يفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيداً للموقف الإيراني، إذ يعكس وجود قناة اتصال غير مباشرة عبر الوسطاء، حتى وإن استمرت طهران في نفي وجود مفاوضات رسمية.
كما أكدت وكالات إيرانية أخرى مثل وكالة مهر ووكالة فارس أن طهران ترفض الاعتراف بوجود مفاوضات مباشرة، لكنها لم تنفِ المبادرات الدبلوماسية التي تقودها بعض الدول في المنطقة لخفض التوتر.
تبدو أن "هدنة الأيام الخمسة" أقل شبهاً بوقف إطلاق نار تقليدي، وأكثر شبهاً بنافذة سياسية ضيقة تُختبر فيها إمكانية تحويل التصعيد العسكري إلى صفقة كبرى تعيد رسم قواعد الصراع في الشرق الأوسط. وبين النفي العلني وتبادل الرسائل في الكواليس، تتكشف معادلة دبلوماسية معقدة: مفاوضات تجري… لكن دون اعتراف رسمي بها.
ويأتي هذا كله في ظل مهلة الخمسة أيام التي أعلنها ترامب لتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، بعدما كان قد هدد بتدميرها إذا لم يتم فتح مضيق هرمز أمام الملاحة. وقد رد الحرس الثوري الإيراني بأن أي استهداف لشبكة الكهرباء الإيرانية سيقابله هجوم على محطات الطاقة الإسرائيلية وتلك التي تغذي القواعد الأميركية في المنطقة.
إقرأ أيضاً: أي ايران بعد الحرب: 4 سيناريوهات