دخل المشهد السياسي العراقي مرحلة شديدة التعقيد، بعد تصدع جبهة الدعم داخل "الإطار التنسيقي" لمرشح رئاسة الحكومة نوري المالكي، في ظل تراجع مفاجئ من قبل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بالتزامن مع فيتو أميركي صريح أعاد خلط الأوراق، وترك الإطار أمام مأزق غير مسبوق في مسار تشكيل الحكومة.
الشرارة الأبرز جاءت مع إعلان القيادي بهاء الأعرجي تراجع "ائتلاف الإعمار والتنمية" عن دعم المالكي، في خطوة وُصفت بأنها انقلاب سياسي محسوب أكثر من كونها موقفاً فردياً. وتشير تقديرات مراقبين إلى أن هذا التحول يعكس قراراً استراتيجياً اتخذه السوداني نفسه، بعد أن بات ترشيح المالكي عبئاً داخلياً وخارجياً، وليس رافعة تفاوض داخل البيت الشيعي.
وبحسب مصادر مطلعة على كواليس المشهد، فإن السوداني استخدم ترشيح المالكي في مرحلة سابقة كتكتيك لقطع الطريق أمام قوى داخل "الإطار التنسيقي" كانت تدفع باتجاه مرشح تسوية ضعيف، قبل أن يسحب الغطاء عنه عقب اصطدامه بجدار الرفض السياسي. ويُقرأ هذا التراجع كرسالة ضغط مباشرة: إما إعادة تكليف السوداني بوصفه "الفائز الأول"، أو القبول بتمديد حكومته الحالية لتجنب فراغ سياسي في توقيت اقتصادي وأمني بالغ الحساسية.
في المقابل، شكّل الموقف الأميركي العامل الحاسم في تسريع سقوط ترشيح المالكي. فقد وضعت واشنطن "الإطار التنسيقي" أمام مهلة نهائية لسحب الترشيح، ترافقت مع إشارات مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دفعت الكتل السنية والكردية إلى النأي بنفسها سريعاً عن مشروع المالكي خشية العزلة الدولية أو التعرض لضغوط اقتصادية وسياسية.
الخيارات الأميركية، وفق مصادر سياسية، طُرحت بلهجة حاسمة: انسحاب المالكي طوعاً، أو إعلان قوى الإطار سحب ترشيحه رسمياً، أو المضي به وتحمل العواقب منفردين. هذا الضغط دفع قوى وازنة داخل الإطار، من بينها تيار الحكمة والعصائب، وصولاً إلى ائتلاف السوداني، إلى فك الارتباط تدريجياً مع ترشيح المالكي تفادياً للاصطدام مع واشنطن.
وأمام هذا الحصار المزدوج، حاول حزب الدعوة إعادة إحياء قنوات قديمة عبر التوجه إلى أربيل، حيث التقى وفد من قياداته زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في محاولة لكسر العزلة السياسية. واستند الوفد إلى إرث العلاقات التاريخية بين الطرفين منذ مرحلة المعارضة، إلا أن الحسابات البراغماتية غلبت سريعاً، خصوصاً بعد موقف ترمب، ما دفع بارزاني إلى تجميد موقفه وربط أي مسار حكومي بحسم الصراع داخل البيت الشيعي أولاً.
المصدر: وكالات