في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تكتسب زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المرتقبة إلى تل أبيب أبعاداً تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، لتكشف عن ملامح هندسة جيوسياسية جديدة تقودها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالزيارة، التي تبدأ الأربعاء وتستمر يومين، لا تُقرأ كتتويج طبيعي لعلاقات ثنائية متنامية فحسب، بل كحلقة محورية في مسعى إسرائيلي لإعادة تشكيل شبكة تحالفات إقليمية ودولية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط ومحيطه.
لم يكن توصيف نتنياهو لمودي بـ"الصديق" مجرد ترحيب بروتوكولي، بل تمهيداً سياسياً لرسالة أوسع أطلقها في مستهل اجتماع مجلس الوزراء. ويرى مراقبون أن دعوته لإقامة "نظام متكامل من التحالفات" حول الشرق الأوسط وداخله يضم الهند، ودولاً عربية وأفريقية، إلى جانب دول حوض المتوسط مثل اليونان وقبرص تعكس تحولاً نوعياً في العقيدة الأمنية والسياسية لإسرائيل.
ويعني هذا التحول، عملياً، انتقال تل أبيب من الاعتماد شبه الحصري على المظلة الأميركية، التي وصفها نتنياهو بـ"التحالف التاريخي الفريد"، إلى بناء شبكة أمان موازية عابرة للأقاليم. وتسعى إسرائيل، وفق هذا التصور، إلى تطويق ما تسميه "المحاور المتطرفة"، في إشارة إلى المحور الإيراني وحلفائه، مقابل نسج شراكات مع قوى تشترك معها في الهواجس الأمنية والمصالح الاقتصادية.
يكتسب التقارب الإسرائيلي–الهندي دلالته الأعمق عند ربطه بالخريطة الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر الأبيض المتوسط. فهذه الرؤية تتقاطع مع طموحات نيودلهي لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط، وتأمين طرق التجارة وسلاسل الإمداد بعيداً عن الهيمنة الصينية، وهو ما ظهر جلياً في مشاريع كبرى مثل الممر الاقتصادي (الهند–الشرق الأوسط–أوروبا).
وشهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية، انتقلت من تعاون أمني واستخباراتي محدود إلى شراكة استراتيجية علنية. وقد أرسى مودي أسس هذا التحول بزيارته التاريخية لإسرائيل عام 2017، كأول رئيس وزراء هندي يقوم بهذه الخطوة، قبل أن يرد نتنياهو بزيارة إلى نيودلهي في 2018، ما كرس محوراً اقتصادياً–أمنياً متيناً بين الطرفين.
في المقابل، وبينما يحاول نتنياهو توظيف الزيارة كاستعراض لقوة إسرائيل الخارجية وحضورها الدولي، تلقي الانقسامات الداخلية بظلالها الثقيلة على المشهد. فقد تحولت الزيارة إلى ساحة اشتباك سياسي داخلي، بعدما لوّح زعيم المعارضة يائير لبيد بمقاطعة خطاب مودي أمام الكنيست، في حال عدم توجيه دعوة رسمية لرئيس المحكمة العليا إسحاق أميت وفق الأعراف المتبعة.
ولا يُقرأ هذا التهديد كخلاف بروتوكولي عابر، بل كامتداد لأزمة أعمق تتعلق باستقلال القضاء، ومحاولة من المعارضة لمنع الحكومة من استثمار الإنجازات الدبلوماسية لتلميع صورتها داخلياً. وتتهم أوساط معارضة نتنياهو بالسعي إلى جر خصومه إلى "زاوية حرجة" أمام شريك دولي وازن كالهند، في وقت لا تزال فيه الساحة الإسرائيلية تعيش على إيقاع صراع سياسي داخلي محتدم.
المصدر: كواليس + وكالات