لم تعد المؤشرات المتداولة عن انفتاح سعد الحريري على حزب الله وحركة أمل مجرد تسريبات أو اجتهادات سياسية. فزيارته الأخيرة إلى نبيه بري في عين التينة شكّلت خطوة عملية واضحة، وضعت حداً لمرحلة القطيعة، وفتحت قناة تواصل مباشرة مع "الثنائي الشيعي" عبر بوابته الأكثر ثباتاً ومرونة.
في التقاليد السياسية اللبنانية، تمثل عين التينة محطة عبور إلزامية لأي محاولة لكسر الجليد مع "حزب الله". فالجلوس مع بري يُغني عن اللقاء المباشر مع قيادة الحزب، ويُعد بحد ذاته رسالة إيجابية مكتملة الأركان. ويبدو أن الحريري، العائد تدريجياً إلى قلب المشهد السياسي، اختار هذه القناة بعناية لإعلان طي صفحة القطيعة، وتكريس منطق "الواقعية السياسية" كمدخل للمرحلة المقبلة.
تأتي هذه الخطوة في لحظة سياسية حساسة، مع استعداد الحريري لإعادة تشغيل ماكينته الانتخابية. فاستقرار الساحة الداخلية، وتفادي أي صدام أو "فيتو" من الثنائي الشيعي، يشكّلان شرطاً ضرورياً لتسهيل تحركاته وتحالفاته، خصوصاً في الدوائر المختلطة.
في المقابل، يرى "الثنائي الشيعي" في عودة الحريري إلى الواجهة عاملاً ضرورياً لإعادة التوازن إلى الساحة السنية واحتواء التوتر المذهبي، ما يجعل هذا التقارب أقرب إلى "حاجة متبادلة" لإدارة المرحلة بأقل كلفة سياسية.
لكن هذه الزيارة تفتح باب التساؤلات حول حقيقة هذا الانفتاح وحدوده، لا سيما أنها تأتي في وقت يكرر فيه الحريري حديثه عن "طعنات" تلقّاها تيار المستقبل خلال فترة غيابه عن المشهد، وهو ما لمح إليه بعبارات مبهمة في كلمته الشهيرة في ساحة الشهداء الأسبوع الماضي، من دون أن يسمّي الجهة المعنية مباشرة.
ولا يزال الحريري متمسكاً بخطابه السيادي، وفي مقدمته حصرية السلاح بيد الدولة، ما يؤكد أن ما يجري هو خطوة تكتيكية لكسر العزلة وإدارة التوازنات من الداخل، لا "شيك على بياض" أو انقلاب على الثوابت السياسية.
المصدر: كواليس + وكالات