لم تعد المنطقة تقف على حافة الهاوية، بل يبدو أنها انزلقت فعلياً في مسارٍ لا رجعة فيه نحو مواجهة إقليمية شاملة. في مشهد يستحضر التحضيرات العسكرية الكبرى التي سبقت إسقاط بغداد، تتسارع دقات الساعة نحو "ساعة الصفر" في الشرق الأوسط.
حشد قوات امريكية لضرب ايران
التحركات على الأرض وفي سماء المنطقة تجاوزت منطق رسائل الردع التقليدية، لتتحول وفق المعطيات المتراكمة إلى إعادة تموضع استراتيجي لحرب مفتوحة. فبينما تحشد الولايات المتحدة أساطيلها الجوية والبحرية، وتغوص إيران عميقاً تحت الأرض لتحصين منشآتها، تقف إسرائيل على أطراف أصابعها بانتظار إشارة البدء، وسط تقديرات بانفجار جبهات متعددة من لبنان شمالاً حتى اليمن جنوباً.
في قراءة لما وراء التحركات العسكرية، يرى مراقبون أن واشنطن انتقلت من استراتيجية "الضربات المحدودة" إلى التموضع لحرب استنزاف جوي طويلة الأمد. وفي هذا السياق، كشفت وول ستريت جورنال أن حجم القوات الجوية الأميركية المنتشرة حالياً في الشرق الأوسط يُعد الأكبر منذ غزو العراق عام 2003.
ولا يقتصر هذا الحشد على الكثافة العددية، بل يقوم على تفوق نوعي كاسح. إذ تُظهر بيانات تتبع الرحلات الجوية توافد أسراب من مقاتلات الجيل الخامس (F-35 وF-22)، إلى جانب مقاتلات (F-16)، مدعومة ببنية سيبرانية ومعلوماتية متقدمة تشمل طائرات الإنذار المبكر (E-3) ومراكز الاتصال المحمولة جواً (E-11).
ومن الناحية الاستراتيجية، يتعزز هذا التواجد بترسانة بحرية ضخمة تضم 13 سفينة حربية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، بينها حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، وأخرى في طريقها إلى المنطقة هي "جيرالد فورد"، إضافة إلى تسع مدمرات متخصصة في اعتراض الصواريخ الباليستية. الأخطر في هذه المعادلة هو تفعيل الدور العملياتي لقاذفات (B-2) الشبحية، القادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى انطلاقاً من القواعد الأميركية أو من قاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، تماماً كما جرى خلال الضربات التي استهدفت إيران في يونيو/حزيران الماضي.
إقرأ أيضاً: خطة أميركية–إسرائيلية سرية يكشفها موقع أكسيوس حول"محو" البرنامج النووي للأبد
رسمياً، تبرر واشنطن هذا الحشد بحماية المصالح، إلا أن مسؤولين أميركيين أقرّوا بأن هذه القوة النارية تمنح الإدارة خياراً حاسماً: القدرة على خوض حرب جوية متواصلة لأسابيع، تستهدف تدمير البنية التحتية الإيرانية، بدلاً من الاكتفاء بضربة جراحية خاطفة.
في المقابل، لا تبدو طهران في موقع المتلقي، بل تعتمد تكتيك "الخنادق الاستراتيجية". ووفق مصادر تحليلية استقصائية، استناداً إلى صور أقمار صناعية نشرتها رويترز، فإن إيران تسابق الزمن لابتلاع منشآتها تحت الأرض.
الصور أظهرت إنشاء دروع خرسانية عملاقة فوق منشآت عسكرية حساسة وتغطيتها بطبقات كثيفة من التربة للتمويه. وتأتي هذه الإجراءات بوصفها استخلاصاً مباشراً لدروس المواجهة التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران العام الماضي، إذ كشفت المعطيات أن طهران عمدت إلى دفن مداخل أنفاق في مواقع نووية سبق أن تعرضت لقصف أميركي، بالتوازي مع تحصين شبكات أنفاق أخرى وإعادة تأهيل قواعد صاروخية متضررة، في تحضير واضح لامتصاص الضربة الأولى وتأمين قدرة "الضربة الثانية".
على الجبهة الإسرائيلية، تبدو الأرض مهيأة للانفجار في أي لحظة. فقد رفعت تل أبيب مستوى التأهب إلى الدرجة القصوى، بالتزامن مع تسريبات عن تنسيق أميركي-إسرائيلي لضربة محتملة "خلال أيام"، بحسب ما نقلته سي إن إن عن مسؤولين إسرائيليين.
غير أن أي ضربة ضد إيران لا يمكن فصلها عن شبكة وكلائها الإقليميين. هنا، يتصدر المشهد الحشد العسكري الإسرائيلي المكثف شمالاً تحسباً لهجوم من حزب الله. ويتقاطع ذلك مع ما أوردته يديعوت أحرونوت عن تقديرات استخباراتية تشير إلى ضغوط إيرانية كبيرة على الحزب للانخراط الفوري في أي مواجهة مقبلة، بهدف تشتيت الدفاعات الإسرائيلية والأميركية.
ولا تتوقف جغرافيا الصراع عند لبنان، إذ ترجح التقديرات احتمال انخراط جماعة الحوثي ووكلاء آخرين لطهران، خصوصاً إذا شاركت الولايات المتحدة مباشرة في الهجوم، ما يضع خطوط الملاحة الدولية والقواعد الأميركية في الخليج ضمن دائرة الخطر.
المصدر: وكالات + كواليس