القائمة
12:23 19 شباط 2026

تجاوزٌ للأمم المتحدة أم إعادة هندسة للمنطقة؟.. "مجلس ترامب للسلام" يُدشن خطته لغزة

دولية

في خطوة تبدو في ظاهرها محاولة لإنهاء واحدة من أعقد أزمات الشرق الأوسط، وفي باطنها تنطوي على طموح جيوسياسي لإعادة هندسة النظام الدبلوماسي العالمي، يترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الخميس، الاجتماع الأول لما أطلق عليه "مجلس السلام".

الحدث الذي تستضيفه واشنطن، وتحديداً في المبنى الذي أعاد ترامب تسميته مؤخراً ليحمل اسمه "معهد دونالد جيه. ترامب للسلام"، يفتح باب تساؤلات تتجاوز ملف إعادة إعمار قطاع غزة المنهك: هل نحن أمام محاولة لخصخصة جهود السلام الدولية خارج مظلة الأمم المتحدة؟ وهل يمكن هندسة الاستقرار في منطقة ملتهبة بغياب أصحاب الأرض عن طاولة القرار؟

قراءة أولية لقائمة الحضور تكشف ملامح التوجه السياسي للمجلس. فبينما تشارك وفود من 47 دولة، من بينها إسرائيل، إلى جانب دول تمتد جغرافياً من ألبانيا إلى فيتنام، وبحضور الاتحاد الأوروبي، يغيب الطرف الجوهري في المعادلة: ممثلو الشعب الفلسطيني.

هذا الغياب لا يبدو تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس مقاربة "فرض الحلول من أعلى إلى أسفل". الأخطر أن الاجتماع يخلو أيضاً من القوى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، باستثناء الولايات المتحدة، إذ تغيب فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين.

يُذكر أن النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية قام على مجلس الأمن بوصفه الإطار الناظم لتسوية النزاعات الكبرى. غير أن طرح ترامب توسيع صلاحيات "مجلسه" مستقبلاً ليشمل أزمات عالمية أخرى، يُقرأ كمسعى أميركي مباشر لتقويض دور الأمم المتحدة، وبناء منصة بديلة تتحرر من قيود "الفيتو" الروسي والصيني، وتدار وفق الرؤية الأميركية الأحادية.

في البعد الاقتصادي، من المنتظر أن يعلن ترامب عن جمع خمسة مليارات دولار لصندوق إعادة إعمار غزة، بوصفها الركيزة العملية لخطة المجلس. وأفادت مصادر دبلوماسية مطلعة بأن هذا الرقم يشمل مساهمة أساسية بقيمة 1.2 مليار دولار من كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت.

ورغم ضخامة الرقم، إلا أنه لا يمثل سوى دفعة أولى لقطاع يحتاج إلى عشرات المليارات. ويُذكر أن قطاع غزة، الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، والمحصور بين البحر وإسرائيل ومصر، تعرض لتدمير شبه كامل في بنيته التحتية خلال حرب العامين التي انتهت بوقف هش لإطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ما يجعل الإعمار أقرب إلى إعادة بناء مدينة من الصفر داخل حقل ألغام سياسي وأمني.

خلف الخطاب المالي، تبرز المعضلة الأمنية بوصفها التحدي الأكثر خطورة. الخطة الأميركية تتحدث عن نشر آلاف الجنود ضمن قوة دولية لحفظ الاستقرار، لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن لقوات حفظ سلام أن تعمل في بيئة مشبعة بالسلاح؟

هنا تظهر عقدة نزع سلاح حركة حماس، وهو شرط أساسي في رؤية ترامب. الحركة لا تبدي استعداداً لتسليم سلاحها، مستندة إلى غياب أي ضمانات تحميها من عمليات استهداف إسرائيلية لاحقة. وتشير تقديرات تحليلية إلى أن أي إعمار دون ضبط أمني محكم سيظل هشاً، في وقت تعاني فيه الأجهزة الشرطية المحلية من ضعف التدريب والانقسام البنيوي.

وكشف عضو في "مجلس السلام" لوسائل إعلام أمريكية، أن السؤال الأكثر تداولاً في الكواليس هو: من سيفاوض حماس فعلياً؟ المؤشرات الأولية تتجه نحو تفويض دول ذات نفوذ مثل قطر وتركيا، ما يضعهما أمام اختبار دبلوماسي بالغ التعقيد بين الضغوط الأميركية وحسابات فصائل المقاومة.

إلى جانب المال والسلاح، يبرز العامل الإنساني بوصفه قنبلة موقوتة. حتى مع تدفق المساعدات، يظل السؤال قائماً: من سيتولى استلامها وتوزيعها في ظل انهيار شبه كامل للمؤسسات المدنية؟ هذا الفراغ الإداري يعكس فجوة عميقة بين التصورات النظرية التي تُصاغ في واشنطن، والواقع المركّب في شوارع غزة المكتظة بالأزمات.

المصدر: وكالات + كواليس