في خطابٍ بدا احتفالياً في ظاهره، لكنه صيغ بعناية سياسية عالية، عاد سعد الحريري إلى ساحة الشهداء لا ليستعيد الزعامة بصيغتها التقليدية، بل محاولاً إعادة تعريف موقعه السياسي، متكئاً على إرثٍ سياسي وحنينٍ شعبي. اللافت لم يكن فقط ما قاله، بل ما تعمّد عدم قوله؛ إذ اختار إدارة الكلام بدقّة، لا سيما في ملف الانتخابات، إذ لوّح بالمشاركة عبر عبارات ضبابية من دون إعلان صريح، تاركًا الباب مواربًا بين العودة التنظيمية واختيار التوازنات
وفي الشق الإقليمي، غابت السعودية بالاسم للمرة الأولى تقريباً في خطاب مفصلي للحريري. هذا الغياب لم يكن سهوًا، بل خياراً سياسياً واعياً لتجنّب التموضع العلني داخل التباينات الخليجية. فالحريري، الذي أمضى سنوات خروجه من الحياة السياسية متنقلاً بين عواصم عدة، بينها الإمارات العربية المتحدة، قدّم تيار المستقبل بوصفه "قوة جسر" لا طرف اصطفاف، مفضلاً هذا الدور بعد سنوات الغياب عن الساحة، على أي ارتباط سياسي مباشر، مع الحفاظ على الهوية العربية العامة.
أما داخلياً، فعندما تحدث عن "الذين يبيعون ويشترون" و"الطعن"، لم يكن يردّ على هجوم قائم بقدر ما كان ينسف سردية جرى الترويج لها خلال سنوات ابتعاده. فالمفارقة، التي يتوقف عندها مقربون منه، أن الساحة لم تشهد هجوماً منظماً عليه من قوى كانت محسوبة عليه سابقاً أو معادية، باستثناء محاولة شقيقه بهاء الدين الحريري "وراثة موقعه السياسي"، وهي محاولة لم تنجح في اختراق الشارع أو الإمساك بتيار المستقبل. من هنا، جاءت لهجته الحادة لا لصدّ خصوم فعليين، بل إعلان أن محاولات استدراج جمهوره إلى خيارات أخرى فشلت، وأن مفاتيح هذا الشارع لم تنتقل.
غير أن حديث الحريري عن "الطعن الداخلي" و"بيع البلد" يفتح تلقائياً باب الذاكرة السياسية القريبة. فالهجوم الضمني على العهد السابق يصطدم بحقيقة أنه كان عراب التسوية التي أُبرمت عام 2016، وأتاحت وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بدعم من حزب الله. وقَطَف الحريري ثمارها السياسية بانتزاع تذكرة العودة إلى السراي الحكومي، والتي وصفت بأنها محطة مفصلية في إضعاف الدولة. تلك التسوية، رغم أنها أعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة، سرعان ما تحوّلت إلى عبء على لبنان، رغم ان الحريري كان من أوائل المنسحبين منها بعد انتفاضة 17 تشرين 2019، مع انفجار الشارع وسقوط الرهان على فكّ العهد عن خياراته.
وخلال تلك المرحلة، شهد لبنان أسوأ كوارثه الحديثة: عزلة عربية متصاعدة، وانفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، وهي محطات رسّخت اختلال ميزان الدولة لمصلحة السلاح، وأعادت طرح سؤال السيادة بصيغته الأكثر حدّة.
في هذا السياق، عاد الحريري إلى استدعاء "مدرسة رفيق الحريري" كأداة حشد بعد غياب طويل، ومحاولة لإعادة شدّ العصب السياسي حول مفاهيم الاعتدال والدولة والعيش المشترك. ويُذكر أن اغتيال رفيق الحريري عام 2005 شكّل نقطة تحوّل تاريخية أفضت إلى خروج الجيش السوري من لبنان، قبل أن تتآكل تلك المكاسب تحت ضغط التسويات اللاحقة.
وفي ختام رسائله، جاءت تحية الحريري لـ"سوريا الجديدة" بقيادة أحمد الشرع كمؤشر على قراءة براغماتية للتحولات الإقليمية، فاصلًا بين الدولة السورية كشريك جغرافي وسياسي، وبين مرحلة يعتبرها منتهية، في محاولة لإعادة لبنان إلى منطق الدولة الذبيعية بلا عداء مفتوح ولا ارتهان للمحاور.
المصدر: كواليس