لم يكن ظهور وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، من على منبر مؤتمر ميونيخ للأمن مجرّد مشاركة دبلوماسية عابرة في محفل دولي، بل بدا أقرب إلى إعلان غير مباشر لملامح الاشتباك السياسي والأمني الذي تخوضه “سوريا الجديدة” في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق. فالرقم الذي أطلقه الشيباني عن “أكثر من ألف اعتداء إسرائيلي” لم يكن تفصيلاً إحصائياً، بل رسالة محسوبة بعناية، تُراد لها أن تختصر ميزان القوة، وحدود الحركة، وهوامش المناورة المتاحة أمام دمشق.
بحسب مراقبين، فإن توقيت الكشف عن هذا الرقم، ومكانه، يعكسان إدراكاً سورياً بأن المعركة لم تعد تُخاض على الأرض فقط، بل في غرف القرار الدولية. فدمشق، التي تسعى إلى إعادة تقديم نفسها كدولة مؤسسات، اختارت منصة أمنية عالمية لتقول إن ما يجري في الجنوب ليس اشتباكات موضعية، بل مسار استنزاف ممنهج يستهدف فرض وقائع جديدة.
وتشير قراءات تحليلية إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية، التي تنوّعت بين غارات جوية وتوغلات محدودة وعمليات اعتقال، ليست ردود فعل ظرفية، بل جزء من استراتيجية “قضم الأرض” تحت سقف منخفض من التصعيد، مستفيدة من هشاشة المرحلة الانتقالية، ومن الفراغ الذي خلّفه انهيار المنظومة الأمنية السابقة في سوريا.
في هذا السياق، تكشف مصادر دبلوماسية مطلعة أن المفاوضات الجارية حالياً بين دمشق وتل أبيب، بوساطات غير معلنة، تتركّز حصراً على انسحاب إسرائيل من مناطق دخلتها بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، من دون التطرّق إلى ملف الجولان، الذي جرى عزله عمداً عن مسار التفاوض.
إقرأ أيضاً: "عدّوا أصواتنا".. الحريري يكسر صمته ويعلن التحالف مع "سوريا الشرع"
ويرى خبراء في الشأن الإقليمي أن هذا الفصل لا يعكس تراجعاً سورياً عن الحقوق السيادية، بقدر ما يعكس مقاربة براغماتية تحاول إنقاذ الجنوب السوري من سيناريو “الحزام الأمني الدائم”، عبر تقليص سقف المطالب، وتفادي تفجير مسار تفاوضي هش منذ لحظاته الأولى.
وبحسب المعطيات، فإن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في يناير/كانون الثاني الماضي لإنشاء “آلية تنسيق أمنية” لم يكن نتيجة تقاطع مصالح مباشر بين الطرفين، بل جاء تحت ضغط أميركي واضح، هدفه منع انزلاق الجنوب السوري إلى مواجهة مفتوحة قد تطيح بمشروع إعادة الاستقرار الذي تراهن عليه عواصم غربية عدة.
وتلفت مصادر إلى أن استخدام الشيباني لمصطلح “المسار الواقعي” لم يكن اعتباطياً، بل يعكس تحوّلاً عميقاً في خطاب دمشق، من منطق الشعارات الكبرى إلى إدارة المخاطر، وتقديم الاستقرار كأولوية تتقدّم، مرحلياً، على الملفات السيادية المؤجلة.
في موازاة ذلك، حرص الشيباني على ربط المشهد الأمني الخارجي بالوضع الداخلي، متحدثاً عن “إرث ثقيل” خلّفه النظام السابق، ومؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء الدولة، لا في استدعاء منطق الميليشيات. مصادر متابعة ترى أن هذا الخطاب موجّه بقدر ما هو للخارج، إلى الداخل السوري المنهك، في محاولة لإعادة ترميم الثقة بمفهوم الدولة المركزية.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن تشديد دمشق على حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تعريف التنوع كعنصر قوة، يهدف إلى قطع الطريق أمام أي محاولة لتدويل الانقسامات الداخلية، أو استثمارها أمنياً كما حدث في مراحل سابقة من الصراع.
أما في البعد الاقتصادي، فيربط مطّلعون بين هذا الخطاب الأمني المتماسك، وبين معركة رفع العقوبات. فدمشق تدرك، وفق خبراء اقتصاديين، أن أي اتفاق أمني، سواء مع إسرائيل أو غيرها، سيبقى هشّاً ما لم يُترجم إلى تدفقات مالية تسمح بإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة.
المصدر: كواليس + وكالات