في سابقة دبلوماسية تقلب موازين العدالة الدولية، وتحوّل النظام السوري الجديد من "مطلوب" إلى "مُدّعٍ"، شهد مؤتمر ميونيخ للأمن، اليوم السبت، تدشين دمشق لأخطر معاركها القضائية ضد تركة الماضي.
جاء ذلك في أعقاب لقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني، واضعاً ملف "رموز النظام المخلوع" وفي مقدمتهم بشار الأسد على طاولة لاهاي.
الخطوة كما يصفها مراقبون تهدف إلى شرعنة "القطيعة النهائية" مع حقبة الاستبداد، وفتح مسار محاسبة دولية غير مسبوق في التاريخ السوري الحديث.
تكشف قراءة متعمقة لهذا اللقاء، الذي وصفته مصادر دبلوماسية بأنه "الأول من نوعه"، أن حكومة الرئيس أحمد الشرع لا تبحث فقط عن القصاص، بل تسعى، بالتوازي، إلى انتزاع "صك براءة" دولي للدولة السورية نفسها، عبر تسليم ملفات العدالة الانتقالية لأعلى مؤسسة قضائية أممية.
وذات السياق، يرى مراقبون أن الرسالة مزدوجة: للداخل السوري بأن المحاسبة قادمة ولا حصانة لأحد، وللمجتمع الدولي بأن دمشق الجديدة باتت شريكاً في منظومة القانون الدولي، لا دولة مارقة.
لا يمكن فصل هذا الحراك القضائي عن الغطاء السياسي الغربي الذي تبلور في ميونيخ. فلقاء الشيباني بنظيره الأمريكي ماركو روبيو، الجمعة، شكّل بمثابة "الضوء الأخضر" لهذا المسار، مع تركيز واضح على تثبيت مفهوم "سوريا الموحدة" بعد اتفاق الاندماج مع الأكراد. هذا يعني أن واشنطن باتت تدعم بسط السيادة القضائية لدمشق على كامل الجغرافيا، بما في ذلك ملاحقة مجرمي الحرب.
على الضفة الأخرى، يعكس الاجتماع مع وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت انتقال التعاون من المستوى السياسي إلى الأمني–الاستخباري. وتشير التحليلات إلى أن برلين، التي تستضيف أكبر جالية سورية ومحاكمات سابقة لضباط منشقين، ستكون "بنك المعلومات" الرئيسي في بناء ملفات الادعاء أمام الجنائية الدولية.
يذكر أن المحكمة الجنائية الدولية ظلت عاجزة لسنوات عن التحرك بسبب الفيتو الروسي–الصيني في مجلس الأمن، وبسبب عدم توقيع سوريا على نظام روما الأساسي.
يرحج حقوقيون أنه ومع تغير النظام السياسي وطلب الحكومة الجديدة رسمياً فتح التحقيق، تسقط العوائق القانونية، ويُوضع الأسد ودائرته الضيقة لأول مرة أمام خطر الاعتقال الدولي الفعلي.
يشير خبراء قانونيون إلى أن تفعيل مسار العدالة الانتقالية هو الشرط غير المعلن لتدفق أموال إعادة الإعمار. إذ أن المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، يربط تمويل النهوض السوري بوجود مسار محاسبة شفاف، يضمن عدم تكرار الانتهاكات التي وسمت حقبة حكم الأسد.
المصدر: قناة الإخبارية السورية + كواليس