القائمة
05:35 11 شباط 2026

هل يعود المالكي من بوابة الفراغ والاعتراف الأميركي؟

عربية وإقليمية
 

في لحظة يغرق فيها العراق في مستنقع فراغ سياسي قاتل منذ انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عاد زعيم ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي ليضع نفسه مجدداً في قلب المعادلة، مقدّماً خطاباً يُراد له أن يبدو كـ“خطة إنقاذ دولة”. تمسكه بشعار “حصر السلاح بيد الدولة” و”وحدة الجيش تحت قيادة واحدة” لا يُقرأ في بغداد كرسالة أمنية فحسب، بل كمانيفستو سياسي متكامل موجّه للداخل والخارج في آنٍ معاً.

فالمالكي، الذي رشحه “الإطار التنسيقي” الكتلة الشيعية الأكبر في العراق، لرئاسة الوزراء، يتحرك في مساحة سياسية شديدة الحساسية، إذ تعيش البلاد منذ انتخابات 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 حالة انسداد كامل حال دون تشكيل حكومة جديدة، فيما تعمل السلطة التنفيذية ضمن إطار تصريف الأعمال بصلاحيات محدودة. هذا الفراغ فتح الباب أمام صراع نفوذ مفتوح بين القوى السياسية، وعمّق من شعور الشارع بالإحباط، ما يجعل أي خطاب عن “هيبة الدولة” و”ضبط السلاح” يجد صدى لدى جمهور متعطش للاستقرار.

غير أن طموح المالكي بالعودة يصطدم بموقف أميركي متشدد. فالرئيس دونالد ترمب لم يكتفِ بالتحذير من قطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، مستحضراً حقبة “الفقر والفوضى”، بل ذهب أبعد من ذلك عبر تقديم اعتراف استراتيجي نادر بأن ما حدث عام 2003 كان “خطأً فادحاً”.

ترمب أقرّ بأن قرار حلّ الجيش وطرد كوادر الدولة خلق فراغاً مؤسساتياً دفع كثيرين إلى الانضمام لتنظيمات متطرفة مثل “داعش”، قائلاً إن الجميع “طُردوا من الجيش والشرطة ثم أصبحوا داعش لأنهم لم يجدوا مكاناً يستمرون فيه بالعمل”، في إشارة تعكس مراجعة متأخرة لكيفية تفكيك الدولة العراقية.

هذا الربط بين الماضي والحاضر يضع واشنطن في مفارقة لافتة؛ فهي تعترف بأن تفكيك الدولة يولد الفوضى والإرهاب، لكنها في الوقت نفسه ترفض عودة شخصية ترفع شعار “تقوية الدولة”، مبررة موقفها بقرب المالكي من إيران وبما شهدته ولايتاه السابقتان (2006–2014) من انهيار أمني انتهى بسقوط مدن كبرى بيد “داعش” عام 2014، قبل إعلان النصر عليه في 2017. من هنا، ترى الإدارة الأميركية أن عودته تمثل “إعادة تدوير للأزمة”، بينما يقدّم أنصاره الطرح ذاته بوصفه “استعادة للقبضة الحديدية” القادرة على ضبط الفوضى.

في خضم هذا الاشتباك، يحاول المالكي تسويق نفسه كمرشح “الواقعية الأمنية”، مشدداً على ضرورة وجود جيش واحد يضم جميع مكونات الشعب تحت قيادة مركزية موحدة، في رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن زمن السلاح المتفلت يجب أن ينتهي، وإلى الخارج بأنه القادر على ضبط الإيقاع ومنع انزلاق العراق إلى الفوضى مجدداً. لكن السؤال يبقى ما إذا كان هذا الخطاب كافياً لتجاوز إرث 2014، وإقناع واشنطن بأن “تقوية الدولة” اليوم لا تعني إعادة إنتاج أزمات الأمس.

معركة المالكي لا تدور فقط حول تشكيل حكومة جديدة، بل حول تعريف مستقبل الدولة العراقية في مرحلة ما بعد الانسداد: هل تُبنى الشرعية على قاعدة استعادة المركزية الأمنية، أم أن أي محاولة لإعادة شخصية مثيرة للجدل ستفتح الباب أمام صدام سياسي ودولي جديد؟ في عراق ما بعد 2025، لا يبدو الصراع على السلطة منفصلاً عن الصراع على سردية الماضي نفسه.

المصدر: كواليس