القائمة
01:37 10 شباط 2026

سباق اللحظة الأخيرة: لاريجاني في مسقط ونتنياهو يتوجه إلى واشنطن…هل تقدّم طهران تنازلاتها؟

عربية وإقليمية
 

في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع فيها الدبلوماسية مع شفير الحرب، وصلت زيارة علي لاريجاني، أحد أقوى رجالات النظام الإيراني وأكثرهم قرباً من المرشد علي خامنئي، إلى العاصمة العُمانية مسقط، لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول ما إذا كانت طهران قد دخلت فعلاً مرحلة “الجدّية القصوى” في المفاوضات، أم أنها تخوض سباقاً مع الزمن لتفادي ضربة عسكرية باتت تلوح في الأفق.

التوقيت هنا ليس تفصيلاً. فالزيارة تأتي بينما يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو لقاء يصفه مقربون منه بأنه “حاسم”، خصوصاً بعد تصريحات نتنياهو العلنية عن امتلاكه معلومات استخباراتية جديدة تتعلق بالبرنامج الإيراني، لا سيما الصواريخ الباليستية، وتأكيده أن إسرائيل لن تتردد في ضرب إيران إذا فشلت الجهود السياسية.

إيفاد لاريجاني، وليس وزير الخارجية أو أحد الدبلوماسيين التقليديين، يحمل دلالة سياسية وأمنية ثقيلة. فالرجل يُعد أول مسؤول أمني رفيع المستوى يزور مسقط في هذا التوقيت، وهو ليس مجرد وسيط، بل “ناقل قرار” من الدائرة الأقرب إلى خامنئي. هذا الاختيار يوحي بأن طهران لم تعد تراهن على إدارة الوقت أو المناورة عبر القنوات الخلفية، بل دخلت مرحلة محاولة “إعادة ضبط المسار” مباشرة مع واشنطن، عبر البوابة العُمانية.

يرى مراقبون أن لاريجاني يحمل في جعبته أكثر من رسالة، وربما أكثر من عرض. فالحديث لم يعد يدور فقط حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش، بل عن حزمة أوسع قد تشمل تهدئة في البرنامج الصاروخي أو إعادة تعريف بعض خطوط النفوذ الإقليمي، في محاولة لتقديم “ثمن سياسي” يمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.

في القراءة الاستراتيجية، تبدو زيارة لاريجاني جزءاً من سباق محموم: سباق بين طهران وتل أبيب للوصول أولاً إلى طاولة ترامب. نتنياهو يسعى لانتزاع ضوء أخضر أو على الأقل تفويض سياسي لعمل عسكري، مستنداً إلى سردية استخباراتية تقول إن إيران تواصل تطوير قدرات تشكل تهديداً مباشراً. في المقابل، تحاول طهران عبر لاريجاني تقديم رواية مغايرة: أن الدبلوماسية لم تُستنفد بعد، وأن هناك ما يمكن إنقاذه إذا أُعطيت الفرصة.

هذا السباق لا يدور فقط حول الملف النووي، بل حول من يفرض الإطار العام للنقاش في واشنطن: هل هو إطار “الضربة الوقائية” كما يريده نتنياهو، أم إطار “الصفقة المشروطة” كما تحاول طهران تسويقه في اللحظة الأخيرة؟

السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الزيارة هو: هل باتت إيران أكثر جدية؟ إرسال شخصية بحجم لاريجاني يوحي بأن النظام يشعر بخطر حقيقي، لكن الجدية لا تُقاس بالوجوه بل بالمضمون. حتى الآن، لا تزال طهران تحاول الفصل بين الملفات، متمسكة بأن المفاوضات يجب أن تقتصر على النووي، في حين تصر إدارة ترامب على مقاربة شاملة تشمل الصواريخ والسلوك الإقليمي وحقوق الإنسان.

هنا تكمن المعضلة الإيرانية: أي تنازل حقيقي قد يُقرأ داخلياً كضعف، وأي تصلب قد يفتح الباب أمام سيناريو عسكري لا تملك طهران ترف تحمّله في ظل أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.

زيارة لاريجاني إلى مسقط تبدو محاولة أخيرة لإعادة خلط الأوراق قبل أن تُحسم في واشنطن. لكنها تبقى محاولة محفوفة بالمخاطر، لأن نجاحها لا يتوقف فقط على ما ستقدمه طهران في الخارج، بل على ما إذا كانت مستعدة لتغيير سلوكها في الداخل أيضاً. وفي نظام اعتاد إدارة الأزمات بالقمع والتصعيد، يبدو هذا الشرط هو الأصعب.

بعيداً عن طاولات التفاوض، يظل ملف الانتهاكات الداخلية نقطة ضعف قاتلة للنظام الإيراني. فالتقارير المتواترة عن قمع المحتجين، والاعتقالات الواسعة، والأحكام القاسية بحق ناشطين ومعارضين، لا تمرّ في واشنطن بوصفها شأناً داخلياً. بل على العكس، تُعد جزءاً من معايير التفاوض نفسها.

في هذا السياق، سبق أن شدد ترامب علناً على أن أي تفاوض مع طهران يجب أن يتضمن وقف القمع واحترام حقوق الإنسان، ملوّحاً بأن استمرار الانتهاكات قد يدفعه إلى خيار عسكري “لحماية الشعب الإيراني”، وفق تعبيره. هذا الربط بين الداخل الإيراني والخارج الاستراتيجي يجعل مهمة لاريجاني أكثر تعقيداً: فهو لا يفاوض فقط على أجهزة طرد مركزي، بل على سلوك نظام بأكمله.

المصدر: كواليس