القائمة
02:08 09 شباط 2026

مناورات طهران الأخيرة: بين تعبئة الشارع والغموض العسكري في زمن الأزمات الداخلية والدبلوماسية

عربية وإقليمية

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع انسداد الأفق الإقليمي، اختارت طهران التحرك على مسارين متوازيين يبدوان متناقضين في الظاهر، لكنهما يلتقيان في الجوهر.

دعوة المرشد الإيراني علي خامنئي، اليوم الاثنين، إلى حشد الشارع، تزامنت مع قرار وزارة الدفاع فرض تعتيم غير مسبوق على ما تصفه بـ"الإنجازات العسكرية"، في وقت جرت فيه مفاوضات حساسة بصمت كامل في مسقط. هذا التزامن لا يمكن فصله عن شعور متنامٍ داخل دوائر القرار الإيرانية بأن النظام بات أمام اختبار وجودي، يفرض عليه إعادة هندسة أدوات بقائه بين الداخل والخارج.

قراءة دعوة خامنئي لحشد المسيرات لا تنفصل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه إيران منذ مطلع العام. فالدعوة، وإن غُلّفت بخطاب تعبوي تقليدي، تحمل في عمقها محاولة استباقية لاحتواء موجات السخط التي تفجرت على خلفية الانهيار المعيشي وتآكل القدرة الشرائية.

النظام، وفق تقديرات سياسية متقاطعة، لا يسعى فقط إلى ملء الشوارع بالأنصار، بل إلى إعادة تثبيت معادلة السيطرة النفسية، عبر إظهار أن الاحتجاج لم يعد خياراً قابلاً للتراكم، وأن الكتلة الموالية ما زالت قادرة على فرض ميزان القوة في الفضاء العام.

في المقابل، لا تقل الرسالة الموجهة إلى الخارج أهمية عن تلك المرسلة إلى الداخل. فبينما تُدار مفاوضات مسقط بعيداً عن الأضواء، تحاول طهران تقديم صورة "الجبهة الداخلية المتماسكة" كأداة تفاوضية غير مباشرة، هدفها إسقاط أي رهان غربي على تفكك النظام من الداخل. بهذا المعنى، يتحول الشارع من كونه ساحة اجتماعية قابلة للاهتزاز، إلى ورقة ضغط سياسية تستخدمها طهران لتعديل شروط التفاوض، أو على الأقل لمنع انتقاله إلى مربع الضغوط القصوى.

هذا اللجوء المكثف إلى الداخل لا يمكن فهمه من دون ربطه بتراجع الدور الإقليمي لإيران. فمنذ "هجمات السابع من أكتوبر"، دخل ما يُعرف بـ"محور المقاومة" مرحلة إنهاك واضحة، مع تضييق الخناق على أذرع طهران في أكثر من ساحة، وتراجع قدرتها على المناورة أو المبادرة.

الضغوط الأميركية المتصاعدة في ملفات غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، أعادت تعريف حدود الحركة الإيرانية، ودفعت القيادة في طهران إلى البحث عن بدائل رمزية للنفوذ الميداني المتآكل، فكان الشارع هو البديل المتاح لتعويض خسارة الأدوات الخارجية.

في هذا السياق، تبرز مفارقة المفاوضات التي تحاول طهران تسويقها باعتبارها مسار تهدئة، فيما تكشف الوقائع عن استمرارها في إدارة حرب هجينة منخفضة الوتيرة. فالتصريحات الإيجابية لبعض المسؤولين الإيرانيين حول مسقط تصطدم بعزلة أوروبية خانقة، تعمّقت مع تصاعد الاتهامات المرتبطة بالتجسس والاختراقات السيبرانية. الاتهامات الألمانية، إلى جانب تفكيك خلايا مرتبطة بإيران في تركيا، أعادت وضع طهران في موقع الدولة التي تفاوض من جهة، وتغامر استخباراتياً من جهة أخرى، في محاولة لتعويض خسارة أوراق الردع التقليدية.

أما قرار التعتيم العسكري، فيحمل دلالات أبعد من مجرد خطاب "المفاجأة". فالغموض الذي اختارته وزارة الدفاع لا يعكس ثقة مفرطة بقدر ما يشير إلى قلق استراتيجي من حجم الانكشاف. في ظل رقابة استخباراتية غربية وإسرائيلية مشددة، بات الإعلان عن القدرات العسكرية سلاحاً ذا حدين، وقد يكون الصمت محاولة لإخفاء فجوات تقنية أو تآكل في الجاهزية، بقدر ما هو سعي لتعزيز الردع عبر الإبهام. بعض التقديرات العسكرية تذهب إلى أن طهران تستعد لسيناريوهات تصعيد غير محسومة، ما يفرض عليها إدارة مرحلة "التعبئة الصامتة" بدل الاستعراض العلني.

خلف هذا المشهد المركب، تقف مفاوضات مسقط كعامل ضغط مركزي. فالمطالب الأميركية، التي تركز على فك الارتباط بين طهران وشبكاتها الإقليمية، تُقرأ في إيران على أنها محاولة لتجريد النظام من عمقه الاستراتيجي، وليس مجرد تفاوض نووي أو أمني. ومع اقتصاد يترنح، وعملة تواصل انهيارها، يصبح الشارع آخر خطوط الدفاع، لا بوصفه حاضنة شعبية حقيقية، بل كدرع رمزية تمنع الانهيار السريع.

إذ تبدو إيران اليوم عالقة بين ثلاثة مسارات متداخلة: تعبئة داخلية هدفها ضبط الشارع لا استنهاضه، وغموض عسكري يخفي القلق أكثر مما يعلن القوة، ودبلوماسية قسرية تسعى لكسر طوق عزلة خانقة. إنها مرحلة إدارة مخاطر لا مرحلة مبادرات، حيث يدرك النظام أن فقدان السيطرة هذه المرة لن يكون عابراً، وأن أي تصدع داخلي في ظل هذا السياق الدولي قد يفتح الباب على تحولات لا يملك ترف مواجهتها.

المصدر: كواليس-إيسنا