تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في البرلمان العراقي، اليوم الثلاثاء، لم يكن مجرد استراحة بين الحلفين الكرديين (الديمقراطي والاتحاد الوطني)، بل شكّل "فرملة" سياسية اضطرارية في ظل تحذيرات دولية متصاعدة. فالأزمة لم تعد تقتصر على هوية ساكن قصر السلام، بل امتدت لتطال مستقبل رئاسة الوزراء، حيث يضع ترشيح نوري المالكي بغداد في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب، التي ترفض ولادة حكومة توصف بـ "الصبغة الإيرانية".
أفادت مصادر مطلعة أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي وجد في طلب الحزبين الكرديين الديمقراطي والاتحاد الوطني مخرجاً قانونياً لتأجيل الجلسة، تفادياً لانقسام قد يضعف ثقل المكون الكردي في التوزيع الوزاري المقبل.
ويحمل التأجيل دلالتين رئيسيتين، داخلياً وخارجياً. داخلياً، يمثل محاولة لترميم البيت الكردي ومنع الصدام بين مرشحين متنافسين. وخارجياً، يأتي في وقت تحذر فيه واشنطن صراحة من أن انتخاب الرئيس هو "الضوء الأخضر" لتكليف مرشح الإطار التنسيقي، نوري المالكي، الذي يواجه "فيتو" أمريكياً متصاعداً.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أجرى في وقت سابق اتصالاً هاتفياً شديد الوضوح مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، حذر فيه من أن أي حكومة "تسيطر عليها إيران" لن تتمكن من حماية مصالح العراق أو تعزيز الشراكة مع واشنطن.
ولم تتوقف التحذيرات عند التصريحات، إذ كشف تقارير عن لوائح عقوبات محتملة قد تطال عائدات النفط العراقية المودعة في الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك، في حال تم إشراك فصائل موالية لطهران في الحكومة المقبلة أو عودة سياسات وصفت بـ "الطائفية".
تعود المخاوف الأمريكية إلى تجربة 2014، حين غادر المالكي السلطة بضغط أمريكي مباشر بعد سقوط الموصل، وتحمله واشنطن مسؤولية سياسات أدت إلى ظهور داعش. واليوم، ترى إدارة ترامب في عودته "انتكاسة استراتيجية" تعزز نفوذ طهران، في وقت تسعى فيه واشنطن لتطويق النظام الإيراني المضطرب داخلياً واقتصادياً.
القوى السياسية العراقية تعيش حالة ارتباك بين ضغط الشارع على الخدمات وبين "العين الحمراء" الأمريكية. في حين يسوق الإطار المالكي كرجل دولة قوي قادر على ضبط الفصائل، تصر واشنطن على أن المالكي والمليشيات هما وجهان لعملة واحدة، مفضلة التمديد للسوداني أو اختيار شخصية وسطية تحافظ على التوازن.