بينما تتجه الأنظار إلى البرلمان العراقي لحسم مسار الحكومة المقبلة، برزت في الكواليس الدبلوماسية الغربية نبرة قلق متصاعدة من احتمال عودة بغداد إلى أنماط حكم وُصفت سابقاً بأنها أضعفت استقلال القرار العراقي وأدخلت البلاد في دوامة استقطابات إقليمية حادة. هذا القلق تبلور في اتصال هاتفي لافت بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، حمل رسائل سياسية تتجاوز الشكل البروتوكولي إلى جوهر معادلة الحكم المقبلة.
ووفق مصادر مطلعة، شدد الجانب الأميركي على أهمية الحفاظ على المسار الحالي الذي يوازن بين الاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، محذراً بشكل غير مباشر من أن أي انحراف نحو حكومات “محسوبة على محاور إقليمية” قد يعيد العراق إلى مرحلة العزلة السياسية والضغوط الاقتصادية.
تشير قراءات دبلوماسية إلى أن مضمون الرسالة الأميركية لا يستهدف أشخاصاً بعينهم، بقدر ما يعبّر عن رفض واضح لإعادة إنتاج نماذج حكم اعتُبرت في السابق عاملاً في تعميق الانقسام الداخلي وربط القرار العراقي بحسابات خارجية.
ويرى مراقبون أن التأكيد الأميركي على مفهوم “السيادة الوطنية الكاملة” يعكس مخاوف من أن تتحول بغداد مجدداً إلى ساحة توازنات إقليمية بدلاً من أن تكون لاعباً مستقلاً في محيطها العربي والدولي. وتلفت مصادر غربية إلى أن التجربة العراقية خلال العقد الماضي أظهرت أن الحكومات ذات الهوامش الضيقة في القرار لم تنجح في حماية الاقتصاد ولا في تحصين الأمن الداخلي.
يُذكر أن العراق مرّ بعد عام 2011 بمرحلة اتسمت بتراجع الثقة الدولية، وتوتر العلاقات مع الشركاء الغربيين والعرب، فضلاً عن تصاعد الأزمات الأمنية والاحتقان السياسي، وهي مرحلة ما زالت حاضرة بقوة في تقييمات العواصم المؤثرة.
وتشير مصادر سياسية إلى أن إعادة تداول أسماء ارتبطت بتلك المرحلة أعاد فتح نقاش داخلي وخارجي حول مخاطر العودة إلى سياسات مركزية حادة، انعكست سابقاً ضعفاً في مؤسسات الدولة واتساعاً لنفوذ قوى غير رسمية داخل المشهد الأمني والسياسي.
ويرى مراقبون أن الإشادة الغربية بأداء حكومة السوداني في ملفات أمنية واقتصادية محددة تُفهم كرسالة تشجيع للاستمرار في نهج “الدولة أولاً”، لا كدعم لشخص أو تيار بعينه.
ويلاحظ ربط الدعم الدولي باستمرار التعاون في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود يعكس خشية من أن تؤدي أي تغييرات غير محسوبة في شكل الحكومة إلى إرباك هذه الشراكات، وإعادة فتح ثغرات أمنية سبق للعراق أن دفع ثمناً باهظاً لمعالجتها.