القائمة
04:35 26 كانون الثاني 2026

تحدي الإدارة العامة.. استمرار الإضراب يضع مؤسسات الدولة في مأزق: قراءة في دلالات التصعيد ومسارات الموازنة

اقتصاد

على وقع الجدل النيابي حول مشروع موازنة عام 2026، يتصاعد التوتر بين الدولة وروابط موظفي القطاع العام، في مشهد يعكس صراعاً مفتوحاً بين متطلبات “الاستقرار المالي” وضغوط الشارع الوظيفي. فإعلان رابطة موظفي الإدارة العامة الاستمرار في الإضراب المفتوح، تزامناً مع جلسات مناقشة الموازنة، وضع السلطة التنفيذية أمام اختبار مزدوج: تمرير موازنة إنقاذية من جهة، ومنع انهيار المرافق العامة من جهة أخرى.

التحرك النقابي، الذي يرفع سقف المطالب إلى حدود استعادة 50% من رواتب عام 2019 وزيادات دورية لاحقة، لا يُقرأ في الأوساط الرسمية كتحرك معيشي فحسب، بل كعامل ضغط مباشر على مسار إقرار الموازنة، ومحاولة لفرض وقائع مالية جديدة في لحظة توصف بأنها الأكثر هشاشة منذ بدء الانهيار.

تشير مصادر مطلعة إلى أن مقاربة الحكومة للموازنة تنطلق من “إدارة الخسائر” لا من تحقيق المكاسب. فالدولة، وفق هذه المصادر، تدرك حجم التآكل الذي أصاب رواتب الموظفين، لكنها ترى في تلبية المطالب المطروحة خطراً مباشراً على التوازن النقدي، في ظل غياب موارد حقيقية تغطي أي زيادات واسعة.

ويرى مراقبون أن التخوف الأساسي لدى وزارة المالية لا يرتبط فقط بالعجز، بل بإمكانية تفجير موجة تضخم جديدة في حال جرى تمويل الزيادات عبر التوسع النقدي، ما يعني عملياً إعادة إنتاج الأزمة نفسها التي أفقدت الرواتب قيمتها خلال السنوات الماضية.

في هذا السياق، يُفهم إصرار الحكومة على ربط أي تحسينات محتملة بإصلاحات ضريبية وجمركية موازية، باعتبارها محاولة لشراء الوقت ومنع الانزلاق إلى فوضى مالية شاملة.

يُذكر أن جذور الأزمة الحالية تعود إلى ما قبل الانهيار المالي، حين شكّلت سلسلة الرتب والرواتب عبئاً متراكماً على الخزينة دون إصلاحات بنيوية مرافقة. ومع انفجار الأزمة عام 2019، فقدت الرواتب أكثر من 90% من قيمتها، ما دفع الدولة إلى اعتماد حلول ظرفية ومساعدات مؤقتة أبقت المرافق العامة في حالة “الحد الأدنى من التشغيل”.

لكن موازنة 2026، بخلاف سابقاتها، تُطرح باعتبارها مفصلية: إما تثبيت مسار التعافي البطيء، أو فتح الباب أمام موجة جديدة من الانهيار في حال جرى كسر السقوف المالية دون تغطية حقيقية.

ولا يقتصر الصراع الحالي على أرقام ورواتب، بل يمتد إلى مفهوم وظيفة الدولة نفسها. فالإضراب المفتوح، رغم مشروعيته المطلبية، يضع الإدارة العامة في موقع الشلل، ويحوّل الموظف من ركيزة في المرفق العام إلى أداة ضغط قد ترتد نتائجها على المواطنين أولاً.

ويرى مراقبون أن خطاب “الحقوق تُنتزع ولا تُمنح” يعكس انسداد قنوات الحوار، ويُدخل العلاقة بين الدولة وموظفيها في منطقة رمادية تمسّ بالسيادة الإدارية وقدرة المؤسسات على الاستمرار. في المقابل، تحاول السلطة التشريعية إبقاء النقاش داخل البرلمان كإطار دستوري وحيد لحسم الخلاف، تفادياً لانفلات الشارع الوظيفي عن أي ضوابط.

بين إضراب مفتوح وخزينة مثقلة، تقف موازنة 2026 عند مفترق حاسم. فالدولة مطالبة بإثبات قدرتها على حماية موظفيها دون التضحية بالاستقرار النقدي الهش، فيما تتحمل الروابط مسؤولية عدم دفع المرافق العامة نحو شلل كامل قد يُفقد مطالبها التعاطف الشعبي.